Taxi Driver . . سائق المجتمع !

11

يعتبر الثنائي مارتن سكوريزي وروبرت دي نيرو اعظم ثنائي في تاريخ الفن عند النقاد وعامة المشاهدين ، وهذا الثناء ياتي نظير لما قدموه من روائع سينمائية عظيمة ما زالت الى الان تحتل المراتب المتقدمة في مواقع تقيم الأفلام حتى بعد مرور عقود على إخراجها ، وهنا وفي ” سائق التاكسي ” قدموا لنا افضل أفلامهم على الإطلاق وافضل فيلم في العقد السبعيني الأسطوري !

من وجهة نظر شخصية بحتة اجد ان سكوريزي من افضل 5 مخرجين امريكان على مر الصعور ، سينماه متنوعة وتصف حال المجتمعات الإجرامية على ابهى حلة ، نحن نتحدث عن رجل قدم إلى عالم السينما افلام من ذهب مثل رفقة طيبون والمغادرون وجزيرة شاتر وغيرها الكثير من تحف هذا المخرج ، إلا انني ومع هذا اجد ان هذا الفيلم هو افضل افلامه على مر تاريخه الكبير ، واعمقها فلسفة وفكر وجدية ، بقية افلامه لا تقدم رسالة عظيمة كما قدمها هذا الفيلم ، تناولت قضايا مهمة وقدمت رسائل جميلة وهذا شيء صحيح ولا يمكن نكرانه ، ولكن ابدا لا توازي ما قدمه سكوريزي في سائق التاكسي ، وفي الجانب الاخر نجد ان اغلب شخصيات وابطال افلام سكوريزي هم شخصيات إجرامية قد يستطيع ان يشاهدها المتابع السينمائي في الكثير من الافلام الهوليودية ، شخصيات متكررة وهكذا اصفها ، ولكن في ترافيس بيكل سكوريزي تخطى الحدود ، لم يقدم شخصية مجرمة بل قدم شخصية إنسانية قبل كل شيء ، تعاني من فساد هذا العالم ، تعاني من شر البشر ضد بعضهم البعض ، تحاول ان تكون شيء جميل في هذا العالم عسى ان يتغير بقية البشر ولكن بدون فائدة ، مما يدفعها ان تتخطى حاجز الجنون الإنساني وتثور على مجتمعها وعلى البشر ، وبرغبة عارمة منها لإصلاح هذا العالم ، وترافيس هنا كان إنسانا فاشلا قبل كل شيء ، فشل مع صديقته ، وفشل في حياته وبل فشل في انتقامه من مجتمعه ، انه ابسط مثال على ذلك الإنسان الذي يحاول ورغم الفشل على ان يحقق اهدافه واحلامه وفي الاخير يفشل امام هيجان الحياة العميق ، ترافيس بيكل اعظم شخصيات سكوريزي ولولاها لقلت ان كل شخصيات افلامه عادية ومكررة !

اما على المستوى التمثيلي والإخراج فروبرت دي نيرو صال وجال في هوليود ، تمثيله ما زال يُدرس ويستفيد منه الممثلين في مهنتهم السينمائية ، قدم ادوار خالدة في حياته ولا تتكرر ابدا ولكن في هذا الفيلم ذهب بعيداً ، نحو المجد ، نحو القمة ، وقدم افضل دور سينمائي له في افضل افلامه ، واحد من افضل خمسة ادوار في تاريخ الفن على مر العصور ، اما سكوريزي فهو الاخر لحق بروبرت دي نيرو  نحو المجد وقدم إخراج هو الافضل في مسيرته في تحفة العقد السبعيني بلا منازع !

في النصف الاول من الفيلم ، لا نشاهد سوء حياة عادية لرجل عادي جداً ، يرى الناس على طبيعتهم الفاسدة ولا يؤمن بوجود اي روح طيبة تجوب هذا المكان ، هكذا هي حياته وهذا هو روتينه ، وتشاء الاقدار على ان يتعرف هذا اليائس على فتاة تختلف عن كل من في مجتمعه القذر ، ” فتاة نقية ” وهكذا يصفها بيكل ، يراقب ترافيس الفتاه ” باتسي ” ويؤمن بعدها بانها نظيفة على عكس البقية ، يذهب اليها ويواعدها وتتحسن علاقتهما ويذهبان الى السينما وهناك يشاهدان فيلم بذي وتظن بعدها باتسي ان ترافيس اصطحبها الى هنا من اجل دواعي جنسية ، وترى فيه حينها انه شخص لا يختلف عن بقية افراد مجتمعه ، يفقد ترافيس الأمل هنا وذلك لأن باتسي كانت كضوء الأمل عنده في هذا المجتمع ، هي الطيبة والنظيفة فيهم وإذا كان هذا هو مستوى تفكيرها فحتما هي قريبة منهم بشكل او أخر ، ومن هنا يفقد ترافيس الأمل في الإنسانية ويسعى نحو خلاصها !

ان تصرفات وافعال ترافيس من جهة او أخرى هي تصرفات متوقعة ولا غريب فيها ، فلطالما كانت المجتمعات هي المسؤولة عن تبني الفرد ، فإذا كان المجتمع سافلاً ولا يستحق العيش فيه فالفرد حتما سيسلك نفس الطريق ، ربما تكون هناك فئة ” شاذة “ مثل ترافيس بيكل ولكن المجتمع حتما لن يقدرها ويعيرها اي اهتمام ، اعتادوا على الظلام ، اعتادوا على الدعارة ، اعتادوا على الجريمة ، السواد والظلام والشر قابع فيهم ويرون ” الخير ” حينها شيء اسود ومظلم وهذا ما لايرونه في افعالهم السوداء ، ولهذا أفعال ترافيس ضد مجتمعه من كره ومحاولته لإتخاذ العدالة بنفسة هي أفعال مبررة !

” هل تتحدث معي ؟ حسنا ، لا احد غيري هنا ! ” 

نشاهد في الفيلم عزلة ترافيس عن مجتمعه وعن الناس ، نجده يفضل الوحدة على ان يعيش معهم ، انه معزول لدرجة تجعله يتحدث مع نفسه ويدخل في مرحلة الصراع النفسي ، وهنا يأتي السؤال ، إذا كان ترافيس يفضل الوحدة ويفضل ان يعيش حياة هادئة وبعيدة عن مشاكل المجتمع فلماذا يقحم نفسه في خلاص مجتمعه الفاسد ؟ والجواب ترافيس صحيح انه يفضل الحياة الهادئة والسلام الداخلي إلا انه في المقابل يشعر وكانه جزء من المجتمع ، يشعر وكانه محاسب بطريقة او بأخرى على صراعهم وفسادهم ، وهذا إحدى دوافعه في كونه يعتبر نفسه مخلصا لهم !

ترافيس : ماهو اسمك ؟

ايرس : ايزل !

ترافيس : هذا ليس اسم

ايرس : هذا سهل التذكر

ترافيس : ولكن ماهو اسمك الحقيقي ؟

ايريس : لا احب اسمي الحقيقي !

ترافيس : ما اسمك الحقيقي ؟

ايرس : ايرس !

من افضل مشاهد هذه الرائعة الأسطورية ، حوار بين رجل يختلف عن كل من في المجتمع وبين طفلة صغيرة وضعيفة تشتغل في أقبح واقدم مهنة عرفها التاريخ البشري وهي الدعارة ، تشعر وانت تشاهد هذا المشهد وكان لا معنى لحياة ايرس على الإطلاق ، لا فائدة لها في هذا العالم ولا فائدة لها في العيش ، يمكنك ان تشعر من خلال هذه الكلمات وان هنالك حقد دفين وكبير داخل ايرس على الإنسانية والعالم ، وأستطاع ان يضحك عليها القواد ” سبورت ” بكل سهولة ، وهي حتما ليست غبية وليست ساذجة ، وإنما فتاة بريئة تعيش بين ذئاب بشرية لا تستحق العيش ، وهنا كانت ” ايرس ” بداية الشعلة نحو سعي ترافيس لخلاصه من مجتمعه !

وفي نهاية المراجعة ، هل حقق ترافيس بيكل احلامه وامنياته ؟ هل فعلا قدم الخلاص للمجتمع ؟ لا لم يفعل ذلك ، هو حاول ولكن لم ينجح ولكن في النهاية كان فاشلا بكل ما تعنيه الكلمة ولم يقدم الخلاص كما يجب ان يكون ، هو فاشل وضعيف ولكن يحاول رغم كل شيء ، وربما هذا الفشل المحتم هو من جعل ترافيس يتوسل الى المرشح بلانتاين عندما كان في سيارته ، حبه الكبير ليعيش الناس في مجتمع مثالي جعل التوسل بالنسبة له شيء عادي ومبرر !

 ” هل سائق التاكسي هو حقا فيلم مضخم ؟ ” 

اعتقد ان هذه السؤال واسئلة مثل ” فيلم ممل ، فيلم معقد ، فيلم تافه .. الخ” هي اكثر اسئلة يواجهها الفيلم ، مما يدفعني وانا عاشق كبير لهذا الفيلم ان أجيب عليها ، وجوابي ياتي ان هذا الفيلم هو من النوعية الخاصة ، وأفلام هذه النوعية صعب جدا ان تقدرها ، بل مستحيل ان تحبها وتعشقها طالما ان هذا الفيلم لا يتحدث عنك وعن أشياء تستهويك في حياتك ، سائق التاكسي مثل ” الختم السابع ” و ” Naked ” وغيرها ، وهذه النوعية من الأفلام لن يعجب بها سوى من تعجبهم القضايا التي يطرحها الفيلم ، لذا إذا لم تستهويك القصة والشخصية فحتما لن يعجبك ، وعلى المستوى الشخصي فهذا الفيلم بالنسبة لي هو افضل من العراب وطار في عش الوقواق وغيرها من افلام ذلك العقد السبعيني ، هو التحفة المطلقة والافضل في عقد لا يتكرر أبداً في تاريخ السينما  .

About author

Ryan

اعشق الفنون والفن السابع على وجه الخصوص !

11 comments

  1. ahmed 22 July, 2014 at 14:26 Reply

    فعلا فلم خرافي ..تتجلى فيه ابداعية السرد لسكوريزي ..و تلقائية التمثيل لدينيرو !!

  2. isso 9 March, 2014 at 02:58 Reply

    فيلم رائع ومن افضل ادوار القدير دي نيرو بعد دور الدون فياتو ..
    اختلف معك في شيء واحد في التقرير الاكتر من رائع
    وهو قولك انه افضل فيلم في السبعينات ..
    السبعينات افضل حقبه في تاريح السينما وافضل فيلبم في تلك الحقبه هو طبعا ” العراب ” ويليه ” طار فوق عش الوقواق ” وبعدها ياتي ” سائق التاكسي ” ..
    حسب وجهـة نظري طبعا ..

  3. الأسد الغاضب 1 February, 2014 at 11:20 Reply

    يا أخوي وش الكلام ذا مع أحترامي لك مبالغ مبالغه قويه .. هذا فلم تافه خرط في خرط وما يحتوي على قصة أبدا
    القصه :
    “تاكسي يتمشى”
    ماهذا الهراء وقسم بلله عصبت وأنا أشوفه , ويتكلم على نفسه والشيئ اللي يقهرك يضرب بالسينما
    وتقيمه 8 عييييييييييب والله عيب

    • Ryan 1 February, 2014 at 14:50 Reply

      تاكسي يتمشى ؟ انت تشوف ان هذي هي قصته ، اذا طبيعي انتقادك له والله
      الفيلم انساني ، يتحدث عن فقدان الهوية وعن فساد العالم والمجتمعات وعن الرغبة في خلاص هذا الفساد وغيرها الكثير

      وبعدين تقول فيلم عادي ؟ هو في النهاية سائق التاكسي أما يعجبك أعجاب شديد او تكرهه كره شديد .

    • Abdulaziz Alzamil 1 February, 2014 at 14:59 Reply

      لأنك ما فهمت محورية الفيلم وماهيته طبيعي يطلع بالنسبة لك مجرد سواق تكسي، زي ما ذكر لك الأخ ريال الأفلام العظيمة غالباً لها خفايا ومعاني خلف الظواهر، أنت شفت فقط سائق تكسي، حما شفنا فساد مجتمع، وفساد عقلية مواطن ورغبة في الخلاص، وهالشيء الي يحب أفلام المسدسات والأكشن طبيعي مارح يعجبه هالشيء، أنت غلطان شفت هالفيلم الأن، مفروض بعد ماتشوف أقل شيء ميتين أو ثلاثمية فيلم حتى تبدأ بمثل هذه الأفلام، لأنك بكذا مارح تفهم المغزى منها ولا تجد قوتها وين.. وأعتقد زي ما أنت ذكرت التقيم أعلى بكثير من أن يكون لفيلم لا يستحق هذا التقييم.

      • Ryan 1 February, 2014 at 15:24 Reply

        أسعدك الله يا عبدالعزيز ، قلت ما في قلبي واكثر ، وفي النهاية اخوي الكريم نحترم رأيك وكلامك ، لكن نصيحتنا لك مشاهدة هذا الفيلم من جديد بعد مشاهدتك للكثير من الافلام والروائع السينمائية فربما بعدها قد تفهم الرسائل التي تحدث عنها فيلم سائق التاكسي .

  4. Ryan 9 November, 2013 at 07:40 Reply

    تخيلوا يا إعزائي ان ثلاث سنوات تفصل بين شوارع وضيعة وبين سائق التاكسي ، في شوارع وضيعة قدم دور متوسط لشخصية متهورة وبعيدة كل البعد عن شخصية ترافيس الثورية وبعد ثلاث سنوات قدم هذا الأداء الأسطوري !

    شكرا لكم 🙂

  5. NINA2KILL 8 November, 2013 at 23:23 Reply

    حاب أضيف معلومة و هي :
    أن المشهد الذي يتحدث فيه دينيرو مع نفسه كان مشهد إرتجالي و قد صنف كأحد أفضل المشاهد الإرتجالية في تاريخ السينما

  6. Abdulaziz Alzamil 8 November, 2013 at 13:23 Reply

    هالفيلم واحد من أفخم الأفلام لدي نيرو، وبقي أسطورة مخلدة كواحد من أهم أعمالة الشهيرة،
    أقتباسك رائع، والكلام ممتاز مقالة من أروع ما يكون.. شاكرين لك.

  7. سامح سعد 8 November, 2013 at 10:25 Reply

    أختيار رائع يا راين، واحد من اعظم أفلام السينما، هادف والأهم أداء دي نيرو الخرافي.

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضًا

عالم Game of Thrones بطريقة خرائط جوجل

إفتتاحية مسلسل  ليست مجرد إفتتاحية رائعة، هي كذلك تخبرنا بالأماكن التي تقع بها أحداث الموسم والتي يتم التصوير فيها في عالم المسلسل مابين ويستروس وإيسوس. ...