True Detective .. صراع النور والظلام

9

true_detective_fan_art_poster_by_punktx30-d7aht96 في أواخر العام الماضي بدأت شبكة HBO بشن حملة تسويقية ضخمة لمسلسلها الجديد ( محقق فذّ )، وإن كان المسلسل لا يجذبك بمجرد انه من هذه الشبكة التي تعد الأعظم في تاريخ الشاشة الصغيرة، إذا فقد جهزت لك القناة الكثير من العوامل التي ستحوز على إعجابك وستنال إهتمامك بكل تأكيد، حيث أنها تقدم لك مسلسل ذو طابع الجريمة والغموض الأدبي، ونعم قد تكون لاحظت وجود كلمة (أدبي في مضمون الجملة) وهذا لم يأتي فقط لتجميل الكلام، إنما المسلسل فعلًا قدم قالب جريمة أدبي، إذن أن التصنيف المسمى بذلك يختص بتقديم جريمة وتحويلها إلى نص أدبي يخدمها بطريقة أو بأخرى، ومن بعد ذالك يتم أخذ هذا النص الأدبي، أو هذه الروائية أيًا كانت ويتم تحويلها إلى مسلسل، هذا الأمر بحد ذاته يجب أن يحوز على إنتباهك ولكن وإن لم تكون ذو معرفة مسبقة بماهية هذا النوع من النصوص الأدبية، أو هذا النوع من المسلسلات فلا بأس، القناة مستعدة لعرض أسماء الممثلين لتكون عامل كافي ووافي لك لأن تحوز على إهتمامك، لدينا (ماثيو ماكونهي، و وودي هاريلسون) ثنائي ليس بالغريب على من لهم إطلاع عميق بالسينما فقد عمل بالفعل هذين الإثنين معًا في عملين سابقيين في الشاشة الكبيرة، وهما فيلم الكوميديا  Edtv في الـ 99 بالإضافة إلى عودة الثنائي من جديد في عملهم Surfer, Dude الذي كان في سنة 2008، وهنا تكون قد حصلت على معلومات كافية لتثيرك مبدأيًا وتعمل كمحفز لمشاهدة المسلسل.

بدأ المسلسل في حلقته الأولى بخطوات رجل لا نستطيع معرفة ملامح وجهه يحمل على ظهره مايبدوا كالجثة ذاهبًا فيها إلى شجرة عتيقة كبيرة العمر ومهيبة المنظر، ثم نشاهد النار التي تحيط في هذه الشجرة لأجل لفت الإنتباه والتوجه إلى الموقع من قبل الإطفائيين ورجال الشرطة حتى يفاجأوا بأبشع جريمة قتل وقت أعينهم عليها، ما أن ينتهي المشهد حتى يأخذنا المخرج إلى وودي هاريلسون يجلس خلف كاميرا تسجل حديثه الذي بدأ أول سؤال فيه “ما رأيك بشريكك؟” في مشهد يذكرني بإحدى التحف السينمائية الخالدة في أذهان الجماهير التي قدمها لنا كيفن سبيسي في الـ 94 فيلم (المشتبه بهم المعتادين) ، حيث يقع وجه التشابه في كون الفيلم يروى من قبل أحد ممثليه، وها أنا الأن في المرة الثانية أشاهد الأمر ذاته يحدث في شاشتي ( ممثل يروي لنا أحداث المسلسل )، تستطيع بعد رؤية الجثة وبداية ظهور ماثيو ومايحيط بالجثة من تفاصيل تشير إلى أن الجريمة كانت أكثر كطقوس من كونها مجرد قتل.


هل هو فقط مسلسل كالنوع الطاغي من المسلسلات، يهدف لطرح قصة معينة مهما كانتعقيدها ومن ثم ينهيها لأجل إستمتاع المشاهد أم هو أعمق بكثير من ذالك؟

جوانب السرد في المسلسل، قسمتها بطريقتي إلى ثلاثة أقسام.

 true_detective___rust_cohle_by_p1xer-d77kmnw

القسم الأول:  هو ( الجريمة ذاتها، وكيفية حلها وهوية القاتل)

القسم الذي أهتم به الجميع كأساس المسلسل، حيث يتعرف عليه المشاهد العادي والمشاهد الواعي سوية.

قد يعتقد الناس بأن هذا هو مجمل المسلسل كغيره من المسلسلات هي فقط قصة جميلة وقاتل مريض نفسيًا ونشاهد طريقة التحقيق ونستمتع بالتمثيل وهذا كل مافي الأمر، ولكن الأمر أعمق من ذالك بكثير، من ما يدفعني إلى الإنتقال إلى نقاطي الأخرى.


true_detective___rust_cohle_by_p1xer-d77kmnw

القسم الثاني: رحلة رجل من تبني لفكر إلى آخر.

قبل مشاهدتك للمسلسل ستجد إحدى البوسترات التي كتبت عليها إحدى مقولات الفيلسوف الإلماني الشهير فريدريش نيتشه وهي “الإنسان هو أقسى الحيوانات / Man is the Cruelest Animal ” في حين رؤيتك لهذا البوستر تستطيع أن تعرف بأن للمسلسل لمسة فلسفية واضحة سيتطرق لها.

” الناس في الخارج هنا يبدون وكأنهم  لا يعلمون بوجود العالم الخارجي حتى ، يبدون كما لو أنهم ساكنون في القمر”

بدأ ماثيو في حواراته الفلسفية حينما ركب سيارة شيفروليه القديمة مع شريكه الجديد في أول عمل لهما معًا وأبشع ما سبق لهم رؤيته على الإطلاق، من هذا المنطلق وفي ذالك الحوار، تعرف بأن معتقدات ماثيو هي (لاهوتيه) وإلحادية أكثر من كونها إيمانية فهذا الرجل لا يؤمن بشيء، ويستحقر عقول البشر من حوله وذات نفسه، كما أنه يرى بأن أحد أكبر أخطاء التطور هي البشر الذين عبثوا في الطبيعة ومسارها الذي كان عليها أخذه، بالإضافة إلى أن أكبر أخطاء البشر هي الإنجاب وكان من الأفضل لهم أن يتوقفوا عن الإنجاب لمصلحة لأنفسهم ولمصلحة الطبيعة، بالإضافة إلى فكرة “التأمل” التي يعتبرها رست بالنسبة لمجسم الصليب الذي في بيته، فهو يأخذ الأمر “كشخصية ضحت بنفسها لأجل غيرها، الفرد لأجل الجماعة، شر صغير لخير كثير” أو سمها ما شئت تلك التي يؤمن النصارى فيها بديانتهم، على ذالك أنت الأن قد بدأت ترى جانب آخر من ما يطرحه المسلسل، وهو الفكر الإلحادي الذي يتغير من حلقة إلى آخرى.


kiy3

القسم الثالث:  هو التجسيد المثالي لنصوص أدبية لجرائم كتبت قبل أن نعرف المسلسل.

عليك أن تعرف بأن الملك الأصفر هو بالفعل موجود ضمن كتاب يحمل عنوان The King in Yellow للمؤلف روبرت دبليو تشامبرز ، حيث تم تسمية هذا الكتاب بهذا الإسم بعد مسرحية محرمة  أقيمت تحمل الإسم ذاته،  نشر الكتاب لأول مرة في 1895، في هذا الكتاب توجد العديد من القصص القصيرة، ينقسم الكتاب إلى عشرة قصص قصيرة من ضمنها أربعة قصص حملت عناوين ( المُصلح للسمعات / القناع / في محكمة التنين / العلامة الصفراء ) في جميع هذه الفصول أو هذه العناوين تمت الإشارة بطريقة أو بأخرى إلى The King in Yellow.

أيضًا ما عرفناه ب” وحش السباقيتي”، هو بالفعل موجود تحت مسمى ” وحش السباجيتي الطائر” تعود هذه القصة إلى سنة 2005 حيث تم إنشاء ديانة تهكمية من قبل خريج الفيزياء بوبي هندرسن وأسماها باستافاريانية احتجاجا على قرار وزارة التعليم في ولاية كانساس اعتماد أطروحة التصميم الذكي بديلاً عن نظرية التطور الأحيائي.

 th_FSM3d


 أما عن التمثيل فقد قدم كل من ماثيو وودي فلا تشكيك في كونه إبداع سينمائي، فلا ننسى أن من نشاهدهم هم ممثلين محترفين في المجال وليسوا هواة، مايعرفه الأغلبية بأن الممثلين في يبدأون دائمًا في الشاشة الصغيرة بصناعة بعض المسلسلات ليصنعوا لأنفسهم أسمًا لدى الجمهور والأهم من ذالك لدى الصحافة بل وماهو أكثر أهميه، لدى المخرجين وسمعتهم بين الزملاء المشاركين بنفس المجال، وعلى ذالك نجد ممثلين كثر كتوم هاردي مثلًا بدأ من الشاشة الصغيرة البريطانية BBC وانتقل بعد إثبات نفسه إلى الشاشة الكبيرة هوليوود، لكن الفارق هنا هو تواجد كبارية بالفعل للشاشة الصغيرة مجددًا لصنع تحفة فنية.

the-selfish-giant-2

إنقسم المسلسل إلى ثلاث حقبات زمنية 95،2002،بالإضافة إلى 2012 في كل من تلك الأزمنه كان على كلٍ من ماثيو ووددي تمقص شخصية مختلفة بعض الشيء عن الأخرى، رست في التسعنية يلعب دور الطموح والمعقد، أما مارتي يلعب دور البريء في مشاهد إجرامية يبين أنه لا يستطيع تحملها كما في الحلقة الأولى، بالإضافة إلى دور رب الأسرة السعيد، واللعوب بالخفاء، أما حين الإنتقال إلى الـ 2002 فيختلف الأمر كذلك، رست بدأت القضية تأكله من الداخل، علاقة عابرة يمر فيها وتنتهي بدون أي تفاصيل مملة عنها ويستمر رذم الشخصية عالي كسابق عهده، أما عن مارتي فهو الأن الزوج المتعب، يواجه المشاكل في البيت وفي مكتب التحقيقات، وعلاقة الإثنين بدأت تضطرب وتتجه إلى الأسوء فالأسوء، أخيرًا في 2012، يبدوا على مارتي الراحة فقد مرت عشر سنوات منذ طلاقه، بالإضافة إلى أنه قد أغلق القضية وأستقرت حياته، ولكن على عكس رست الذي قد أصبح أكثر سوداوية من أي وقتٍ مضى، مليئ بالحكم والعبارات الفلسفية المخيفة، شخصية سوداء لا تستطيع تصور مايدور بعقله من أفكار مضطربة، وعلى ذالك تستطيع أن تجد الإبداع والإحترافية في إتقان هذه الأدوار، في لقاء لماثيو  خلف كواليس الأوسكار سأله أحد الصحفيين عن الجزء الثاني من المسلسل وذكر فيه أنه لن يعود ولكن هذه النقطة نعرفها بالفعل، ما أتبعها به ماثيو قائل ” شاهدت المسلسل معكم ولم أحصل على النسخة الكاملة وحين مشاهدتي له حتى أنا بدأت أتوه من حيث طريقة الحوارات” المثير بالموضوع بأنه قد صور جميع المشاهد بكل إبداعية ولكن طريقة ترتيبها السنوي وكيفية نهاية السنة الفلانية متبوعة بالأخرى هو كذالك كالمشاهد لم يحسب لها حساب، وبالتالي فقد شعر بنوع من التساؤلات مثلنا تماماً. 

About author

Azoz_Alzamil

Founder of Western Screen.com .. Cinema Blogger,Writer.

9 comments

  1. sultan altamimi 1 October, 2014 at 05:03 Reply

    كل شي فية ابداع
    الموسيقى
    التمثيل
    الاخراج
    الجو التأملي العام
    يجعلك تعيش وتستمتع وتندمج ايضا
    بعتبر الاول
    والثاني راي دونفان ,مع ان الفارق بينهما كثير

  2. محمد العمري 6 May, 2014 at 00:16 Reply

    من وجهة نظري مسلسل جيد ، لكن لايستحق كل هذا المديح.

  3. Ned Stark 5 April, 2014 at 22:24 Reply

    أفضل مقطع في عام 2014 حتى الآن في جميع المسلسلات:
    http://www.youtube.com/watch?v=s_HuFuKiq8U

    المقطع من مسلسل “True Detective”/الحلقة الرابعة/يبدأ من الدقيقة 49 من الحلقة!
    6 دقائق فقط كفيلة بأن تجعلك ترى روعة هذا المسلسل، 6 دقائق أجتمعت فيها روعة الإخراج وروعة التمثيل لتُقدّم لنا أفضل مقطع لعام 2014 عن جدارة وإستحقاق ! مقطع لا تراه بهذه الجودة في باقي مسلسلات “الجريمة” و”التحقيق” و”البوليس”. مقطع حصري لـ “شلّة ماثيو” وفقط 🙂 !

  4. Ned Stark 5 April, 2014 at 22:09 Reply

    لو كان بيدي لوضعتُ له تصنفيًا جديدًا بعيدًا عن مسلسلات “التحقيق” و”الجريمة” الأخرى التي لا تتناسب وهذا المسلسل الذي كسر الملل في عالم تلك الفئة من المسلسلات التي أصبحت مملة جدًا ورتيبة ومبتذلة !

    هذا المسلسل يستحق جائزة أفضل مسلسل لعام 2014/2013 ، ولا أقصد جوائز الترضية والحفلات المغمورة، بل جوائز “الغولدن غلوب” و “الإيمي” ، ويجب أن تكون مسلسلات “التحقيق” و”الجريمة” الأخرى ممتنّة لـ “شلّة ماثيو” بعد أعادت تلك الفئة لـ الحياة مجددًا !

    مسلسل رائع للغاية، ومدهش من ناحية السرد والسيناريو الذي يجعلك لا تحس بـ أدنى ذرة من الملل والرتابة، ومن الصعب أن تجد عملاً فنّيًا في هذه الأيام تلتقي فيه جودة التمثيل مع جودة الفكرة مع جودة السرد.. إذا ما وجدت أحدهما فستُلاحظ غياب الأُخرى! حيث أصبحت الأعمال الفنّية مجرد تجارة بحتة من الصعب أن تجتمع تلك الأركان الثلاثة فيها ! ولكن هذا المسلسل كسر هذا الواقع وقدّم تحفة فنّية احتوت على تمثيل جبّار وإبداعي من قِبل جميع الممثلين؛ من أصغرهم إلى أكبرهم! واحتوت على سرد سلس وبدون إسهاب مُمل، وفكرة جميلة.

    ومع روعة المسلسل بـ جميع ممثليه وطاقمه الفنّي؛ إلا أنه يتحتم عليّ أن أقول: تمثيل ماثيو وطريقة تقمصه لـ الشخصية ضاعف جمالية المسلسل، المسلسل “كوم” وتمثيل ماثيو “كوم” آخر! روعة المسلسل تصل لـ 100% وبعد تمثيل ماثيو ستُصبح 200% 🙂 !

  5. Qasim Ibrahim 4 April, 2014 at 10:00 Reply

    شكرا لك عبد العزيز على هذه النبذة عن هذه التحفة الفنية

    نتمنى ان يحافظ الموسم الثاني على نفس المستوى الفني للمسلسل

  6. Abdulrahman Haddad 4 April, 2014 at 08:22 Reply

    فعلاً مسلسل إبداعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عندما ترى مسلسل رائع بهذا الشكل فاعرف أنه من HBO

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضًا