البولنديون في السينما هم فقط من يجيد التحدث عن بولندا .. Ida

0

البولنديون في السينما هم فقط من يجيد التحدث عن (بولندا), البلد الذي أشعل شرارة الحرب العالمية لِينكوي بنيرانها, (بولندا) ما بعد الحرب ممزقة, متشرذمة, مصبوغة بأحمر الدم كما وثقّها (فايدا), البولندي الكبير, في ملحمته مُرشحة الأوسكار Katyn, قاطنيها (أكثر من 3 ملايين يهودي) وضعوا تحت المقصلة, من نجا تمنى لو أنه لم يكن, ومَن فرّ.. لم يترك ورائه أثر. عند الحديث عن هذا البلد الأوروبي, يكون المحيط هو البطل دائماً والشخصيات ثانوية, فالمخرج يخشى (أو ربما يدرك) أنه لو أقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه لأضطر المُشاهد لإهمال ذلك المحيط.. وهذا ما لا يريده.

(إيدا) اليهودية راهبة في دير, لم تكن تعرف ذلك, ولدت مسيحية, أو هذا ما كانت تعتقد, لم تكن على دراية بوجود أقربائها أو على مقدرة الإتصال بهم, لم تبحث عن ماضيها كثيراً, تخشى الخروج, ظناً منها أن (بولندا) سجن كبير لقاطنيها, مساحة الحرية التي تجدها في الدير.. تكفيها, وهذا ما لم يدم طويلاً بعد زيارة مفاجئة من عمتها في محاولة لطي صفحات الماضي من جديد.. جمالية النصّ في أنه لا يتعامل مع هذا الحدث المُفاجئ هذا كركن أساسي, لا ننتظر منه فكّ رموزه وحلّ أحجياته, نراقب شخصياته المحدودة ليس لأن حدثاً مهماً سيضرب حياتهم, بل لِفهم الحياة التي يعيشونها.. والقرارات التي سيتخذونها.

حال أعماله الماضية, يوجه (بالكاوسكي) إصبع الإتهام للمجتمع دون الفرد, يُلغي الروابط التي من الممكن أن تُلزِمه إتباع التقاليد, يُقدم ما يريد بالطريقة التي يريد, رؤيته الإخراجية لا تقل في قيمتها عن النصّ الذي شارك في كتابته, تدعمه كثيراً وتتعامل معه بشكل مُكثف, يطوعها في التأمل في روحية ونُسكية راهبة الدير كما فعل من قبله (روبير بريسون) مع كاهن المدينة في Diary of a Country Priest.. فبالرغم من الإيقاع البطيء والمدة القصيرة نسبياً للسرد, لا أعتقد أن عمله يحيد قيد أنملة عمّا إبتغاه له.

فيلم (بالكاوسكي) الأخير ليس كلاسيكية بالضرورة, لكنه أحد تلك الأعمال التي تُجبر عاشق السينما على إحترام نصّها وإمتياز مخرجه في التعامل معه, كما أنه من الأعمال المعاصرة القليلة التي تجد لها سبباً في إستخدام اللونين الأبيض والأسود وقصر الشاشة بهما, كما هي معالجة (هانيكه) لمجتمع ما قبل الحرب الأولى في The White Ribbon والعتمة التي تحيط بشخصيات (بيلا تار) أنصاف العقود, دلالة الشخصيات التي تم كيّها من قِبل الأقدار وظروف الحياة بحيث لم تعد تتحدث ناهيك أن تشعر, كون أي لون آخر سيوحي بالأمل, وهذا ما لا يريده مخرجنا هنا.. أيضاً!

Ida

About author

No comments

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضًا