Paris, Texas .. ما يخلفهُ العشق بجنون !

1

فيلم Paris, Texas 1984

( شاهد الفيلم قبل القراءة لكي لا تحرقه على نفسك )

ما هو أثر فقدان الحب على أنفسنا ؟ عندما تصل أرواحنا إلى القمر وتسقط فجأة ؟ ماهي آثار تلك السقطة على من حولنا ؟ كيف تضررنا منها ؟ هل سوف نشفى ونعود إلى النهوض على أقدامنا مجددا ؟ كيف ذلك ؟ هذا ما يجاوبنا عليه المخرج الألماني العظيم فيم فيندرز في تحفة “باريس, تكساس” !

صحراء قاحلة, حرارة مرتفعة, وشخص هائم وسط تلك الصحراء ! شخص ملامحه وشكله لا يعطيك صفات الأحياء ! رث الملابس, شاحب الوجه متهالك الجسد. شخص تحس أنه قد مر بتجربة أقسى من الموت. يجد متجرا فيدخل إليه عطشا يبتغي الماء. يرى ثلجا فيأكله ويغمى عليه فجأة, فيذهب به أحد الزبائن إلى عيادة قريبة. يعاينه الطبيب ويسأله من أنت, من أين أتيت ؟ فلا يجاوب ولا يتكلم, فيجد الطبيب كرتا في جيبه ليتصل بالرقم الموجود فيه, أخوه صاحب الرقم الذي يتفاجئ بذلك بعد غياب 4 سنوات لأخيه. يطير الأخ ليحضر أخاه, فيكتشف أنه قد رحل من العيادة صباح مجيئه !

في طريق عودته يجده صدفة يمشي في الصحراء, يتوقف له مصدوما فيناديه, فيمشي اخوه من جانبه ولا يعبره. “ترافيس” ! فيتوقف ويلتفت إليه, إنه أنا “والت” أخوك, ألا تميزني ؟ فينظر إليه ترافيس نظرة فاقد للذاكرة ولا ينبت بنصف كلمة له ! ماذا حدث لك يا ترافيس, كيف أصبحت هكذا, هي كلمات والت الأخ المصدوم لرؤية أخيه “ترافيس” وكأنه شبح من أطلال بلدة غلبها الزمن ! فيركب معه وكأنه مغصوب لذلك ويعود به والت إلى بيته.

– تلك هي البداية العبقرية التي بنى عليها “فيندرز” أحداث الفيلم, يريد إعطائك إنطباعا عن شخصية “ترافيس” الطيب الدافئ لكن عبث به القدر, يريد إخبارك أن ما مر به هو شيء قاس جدا على روحه وشخصه, بدون أن تعلم للحظتها لماذا حدث له كل هذا.

قطنوا بعد ذلك في نزل على الطريق للراحة وإنتظارا لطائرة العودة وذهبوا بعدها إلى العشاء في مطعم, أثناء ذلك إتصل والت بزوجته ليطمئنها عن ترافيس ويخبرها أنه سيحضره إلى المنزل للزيارة, يعود إلى ترافيس الذي يظهر سعيدا ومبتسما كشخص شرب من إكسير الحياة. يسأله والت, أتذكر إبنك هانتر ؟ ملامح ترافيس الشاعرة بالذنب والأسى تظهر واضحة على عينيه, يكمل والت لقد حاولنا أن نعلم أين إختفيتم أنت و”جاين” وهانتر لم يعلم ذلك أيضا. ترافيس يبكي بصمت وحرقة وكأن دموعه تكوي وجهه. حتى لحظتها لم يتحدث أو نسمع صوته ولم يرد على والت أخيه. تستطيع يا ترافيس فتح قلبك لي, فأنا أخوك كما تعلم.

– بذلك نعلم الآن ملامح القصة تقريبا, ترافيس “كان” لديه حبيبة ولديهما إبن, وأن الملحمة التي قاساها كان بسبب “الحب”. كم أعجبني التدرج في سردية الأحداث بهذا السيناريو الحذق للغاية, جعلك تعلم النتيجة لتبتغي السبب, ببساطة جعلت الأثر على المشاهد أكبر بعفوية خالصة.

في الطريق إلى المطار إنفعل والت على أخيه لعدم تحدثه فنطق فجأة, “باريس” هي أول ما نطق به طوال الفيلم ! هل نستطيع الذهاب إليها ؟ والت يتفاجئ ثم يرد بالرفض وتفاعل بالحديث على أنه يريد الذهاب وأنه زوجته “آن” فرنسية ولكن عمله لا يسمح له, وترافيس مشغول بالبحث على خريطة في يده, ويحدد مكانا ما في تكساس, هي على ما بدى أنها قطعة الأرض التي يملكها وأسماها “باريس, تكساس” عنوان الفيلم.

يكمل بعدها والت الطريق. هناك في المطار يرفض ترافيس قطعا الذهاب جوا ويقنع والت بالرحلة برا. طوال تلك الرحلة تتضح أكثر صورة الفيلم, يتم الحديث عن إبن ترافيس وأن عمره 7 سنوات “أي أنه تركه في عامه الثالث” وأنه والت كان يربيه مع زوجته من وقتها, يفنتح والت موضوع زوجة ترافيس فيرفض ويعيد الموضوع الحديث عن الإبن, بعد ذلك يتجلى والت بالحديث والتساؤل عن ماحدث لأخيه فيرفض أيضا ترافيس ويقول في وقت لاحق.

– وكأن والت هو المتحدث بصوت المشاهد, يطرح أسئلتنا ويؤجلها والت لاحقا جاعلك متشوقا وتبتغي المزيد في هذا الفيلم
الذي وكأنه تحفة قديمة يتم تنظيفها وترميمها لتتوضح معالمها وجماليتها !

عند الوصول يتم إستقبال ترافيس بشوق وسعادة, ينزل له إبنه فيراه ترافيس بنظرة كأنه أول بشري يراه بعد ولادته من جديد ! وإبنه الذي تتضح عليه كومة المشاعر الكثيرة داخله بوجه جامد فيقول “مرحبا” بصوت فاتر ملفوف بكل تلك المشاعر. تتابع الأحداث وتظهر مشاعر الأبوة على ترافيس, فيحاول كسب إبنه بإرجاعه أولا إلى البيت من المدرسة فيرفض ذلك الإبن بحجة أنه لا أحد يعود سيرا على الأقدام.

في الليل, يذهب والت إلى إبن ترافيس الحزين والقلق على ما يبدوا, فيحاول إقناعه بأن ترافيس هو أبوه وأنه يجب عليه إعطاء الفرصة له. في العشاء يتم ذكر تسجيل عائلي قديم عن رحلة بحرية, فيتم عرضها على جهاز العرض. التسجيل يظهر زوجة ترافيس وإبنه في حالة تختلف عن ماهية حالته الآن كليا, السعادة الغامرة والحميمية وقتها, الترابط الأسري بين عائلة ترافيس ووالت, شيء جميل يجعلك تتساءل كيف حدث كل ذلك. مشاهدة ترافيس لنفسه مع جاين زوجته ألقت بظلالها على نفسية ترافيس وكأنها بعدها غيرت أو أيقظت شيئا في أعماقه.

صباح اليوم التالي يذهب ترافيس إلى مدرسة إبنه بشكل الأب الثري, يستعير بدلة أخيه ويلبس القبعة ويتدرب على مشيته ليعجب إبنه. أمام المدرسة يتجاهله إبنه في البدأ, فيمشي عائدا إلى المنزل مع أبيه وكل منهما على جانب من مختلف من الشارع. يحاول ترافيس إضحاك إبنه فيتجاوب إبنه أخيرا ويقلده في حركاته, حتى مشى معه في النهاية, فكسبه أخيرا !

تتابع الأحداث حتى يكتشف من زوجة أخيه أن زوجته جاين كانت ترسل مالا لإبنها من حساب بنكي في مكان معين ليهرع هو وإبنه في رحلة إليها, ليكتشف أنها تعمل في ناد للتعري. ليدخل إلى الغرف المخصصة في النادي, هو يجلس ويراها عبر زجاج لكن هي لا تراه عبره, فتدخل حينها وتكلمه وهو غير متأكد مما يفعل, خائف, حزين, فرح, فوضى داخلية انفجرت داخله وغرق في الدموع ممسكا سماعة الصوت وهو يراها تتحدث.

أأخلع سترتي ؟ لا, أرجوك لا ! أكل ما تفعلينه هو الحديث ؟ لا, أجيد الإستماع ! ماذا تفعلين غير ذلك ؟ “تضحك”, لماذا تضحكين ؟ متأسفة, ينفعل ترافيس, ويسأل فيقول محترقا, هل تخرجين مع الزبائن ؟ لا, لا يسمح لنا بالخروج معهم ! بل تستطيعين بالتأكيد فأنتي حرة خارج العمل بلقائهم ! كم نقودا إضافية تجمعين ؟ فتحزن جاين لهذا الكلام وتقول, أعتقد يا سيدي أنك تريد فتيات أخرى غيري ! فيرجوها, لا, لا تذهبي فتجلس ويدعها تتحدث ليبتسم ويترك السماعة ويرحل هو عنها. وكأنه يريد أن يفعل ذلك ليشعر بالنصر أو شيء ما.

– يالروعة وجمال هذا المشهد العظيم جدا ! مشهد تم التمهيد إليه بحرفية تامة, مشهد يوترك للغاية ويحبس جميع أحاسيسك فيه.

يأخذ إبنه المشوش الذي يسأله, هل كانت هناك فيرد له بالإيجاب. في صباح اليوم التالي يترك ترافيس تسجيلا لإبنه يعترف فيه بحبه الخالص له, لكنه لا يستطيع أن يكون أبا له, يفضي بأحاسيسه كاملة في هذا التسجيل فيتركه لإبنه ويرحل لزوجته مرة أخرى.

مشهد النهاية, ذروة هذا الفيلم ! ترافيس يضع ظهره للزجاج ويخرج كل ما حبسه في قلبه لجاين, يذكر قصة لأحد العشاق لها فيتضح أنها قصتهم ! إعترافات, عتب, سيل من المشاعر يسقط على أذنيها لتبكي بعد أن أدركت أنه هو زوجها. بإطفاء نور غرفتها وتوجيه مصباح ترافيس على وجهه إستطاعت رؤيته, أتعرفين من أنا ؟ أتميزينني ؟ حسنا لقد أحضرت إبننا معي, تتنهد وتقول له مافي قلبها تجاه إبنها وكيف أنها إشتاقت له وسبب تركها له. فيقول لها أنه في غرفة داخل فندق معين, إذهب له, ويقوم من كرسيه للرحيل فتوقفه لتبدأ هي بفك رزمة المشاعر داخلها ويرد عليها ببرود جاف, حسنا, جيد, إنه في تلك الغرفة إذهبي إليه ويرحل ترافيس بعدها. تذهب لإبنها ويضمان بعضهما بحرارة في مشهد حميمي جدا. ترافيس يشاهد النافذة من الخارج, ويرحل بعدها بسيارته إلى طريق مجهول, نهاية الفيلم !

من أفضل الأفلام التي قد تشاهدها كتابيا, سيناريو وسردية متصاعدة حتى يبلغ ذروته في نهاية يشهد لها التاريخ السينمائي !

الاداء التمثيلي كان راقيا بمعنى الكلمة, هاري دين أقنعني للغاية في شخصية ترافيس, لبس الشخصية بعمقها وظاهرها وحبس مشاعري فعلا بأداءه العظيم. جميع الطاقم أيضا نجحوا في أدوارهم خصوصا ناتاشا كينسكي بدور جاين البسيط والقصير لكنها نجحت في أداءه وسحرتنا فعلا.

العمل الثاني الذي أشاهده لفيم فيندرز بعد رائعة Wings of Desire الذي كتبه هو شخصيا, غير هذا الفيلم الذي إكتفى بإخراجه. منذ أن رأيت تحفته تلك وأنا أعلم بأني لن أشاهد فيلما عاديا من ناحية الإخراج, ولم يخب ظني بتاتا. وظف جميع نواح الفيلم بامتياز وصنع فيلما فيه من الجمالية ما يطرب عينيك, أجوائه الساحرة بموسيقاه الخلابة وطريقة عرض أقسام الفيلم بطريقة مرتبه من البداية المبهمة, إلى نهايتة المتفجرة. الطرح العظيم لاعماق الانسان الداخلية وعلاقاته مع من هم حوله, لك أن تشاهد فعلة فيندرز بوضع حاجز بين العشيقين ليستطيع كل منهما الحديث للآخر بأريحية وسكب شلالات المشاعر لبعضعما بدلالة أن للإنسان طاقة خارجية ذات تأثير على من حوله سواء كانت سلبية أم إيجابية والحاجز هو لمنع التأثر, كم أعجبتني فلسفة وعمق وشاعرية فيلمك يا فيندرز “لوحة فنان”, تحكم بالفيلم بطريقة مميزة حقا !

فيلم عن العشق وضياعه, العائلة وضرورة ترابطها, فيلم دافئ على قلبك, يداعب أحاسيسك بطريقة عفوية جدا بعيدا عن
أي إبتذال, تحفة بصرية في تصويره, عميق كبئر لا نهاية له رغم بساطة قصته .. تحفة للتاريخ !

About author

Salem Lynch

شخص مسجون في الحياة وحريته السينما.

1 comment

اترك رداً

شاهد أيضًا

الظلام لا يخيف حقاً .. Don’t be afraid of the Dark

منزل مسكون، طفلة صغيرة، مخلوقات غريبة وأسطورية. هل يذكركم ذلك بشيء؟ يعود إلينا المخرج والمنتج الإسباني الشهير “جيليرمو ديل تورو” بأحدث إنتاجاته تحت عنوان “لا ...