Barry Lyndon .. باري سيء الحظ

1

Barry-Lyndon-8563_6* شاهد الفيلم قبل القراءة *

كملحمة شعرية يونانية, كأوبيرا ألفها موزارت, كلوحة زيتية لدافينشي, صنع كوبريك خلاصته الإخراجية “باري لاندون”, هنا وصل الى حدود الكمال السينمائي الى اقصى ما يمكن ان تعبر به السينما للمشاهد, في الحقيقة كوبريك صنع عملا اقرب الى المستحيل وليس الكمال, أن يكون هنالك فيلم ينصهر فيه المشاهد كليا وترتبط جميع أربطة روحه معه, أن يوصل عينيك بإتصال فطري مع الشاشة, أن يلعب على أوتار حواسك ومشاعرك بشكل تحكمي خالص, هنا السينما, هنا الفيلم يكون قد وصل حرفيا إلى الكمال, إلى المستحيل, فماذا صنع عقل ستانلي كوبريك, في هذا الفيلم, وكيف صور رواية ويليام ميكبيس ثاكري “حظ باري ليندون”؟

سيناريو الفيلم مختلف تماما عن كل أفلام كوبريك, هنا لن تجد الاسقاطات الساخرة ولمحات الجنون التي تعودتها من افلامه, بل على العكس, كان صارما للغاية بطريقة غير ملموسة, ابتعد كليا عن كل تلك الطرق المبتذلة لجذب عواطف المشاهد, هو يعلم انه ليس بحاجة لذلك ابدا, سرد القصة كما لو كانت رواية دون بناءها على احداث تستحوذ على العواطف بطرق مبالغ فيها. كوبريك بعقليته الإخراجية النادرة استطاع أن يغرقك مع الفيلم بعمق, اهتم بكل تفاصيل الفيلم حتى أصغر التفاصيل, جعل فيلمه يصل الى اعلى قمم الشاعرية, فأذنه اختارت تلك الموسيقى الجميلة الراقية لتغلف أحداث الفيلم, صور عالما خلابا بألوانه, صنع أماكنا بالغة الفخامة والجمال بديكوراتها, أعاد القرن السادس عشر لأوروبا كما لو كانت كاميرته آلة زمن تنقل صورا من تلك العصور, جعل كل مشهد في فيلمه كلوحة مرسومة بعناية باقصى ماقد يصل اليه الفن السينماتوغرافي. ليس هذا فحسب, بل حتى أنه باسلوب تعبيري ساحر استطاع أن يوصل أفكار شخصياته وما يدور في خلدها دون الحاجة الى الكلام والحوار, فلم يستخدم لغة الحوار فقط للاتصال مع المشاهد ولم يعتمد عليها ابدا, بل حتى بلغة الصمت استطاع ان يتصل معك, فاعلم هكذا ان كل دقيقة من الفيلم محسوبة, كوبريك اعتنى بكل ما تراه في مستطيل شاشتك الذي جعله كلوحة فنية متحركة, فقد نقلك حرفيا الى داخل تلك الشاشة.

ينقسم الفيلم الى فصلين, القسم الأول “بأي طريقة إكتسب ريدموند باري لقب باري ليندون” والقسم الثاني “احتواء حسابات سوء الحظ والكوارث والحوادث التي حصلت لباري ليندون”, فصلان يسردان قصة الصعود والسقوط وتقلبات حياة سيء الحظ باري ..

القسم الأول ..
أوروبا, القرن السادس عشر, حيث الجمال الطبيعي الخلاب في أراضيها, حيث المظاهر التي كانت كالتماثيل الفنية في جمودها وطريقة لباسها, وحياة الارستقراطية الشديدة, حيث يرتدون الأقنعة الباسمة على وجوه مخادعة, حيث النفاق والعنصرية وأهمية الأنساب والأسماء, حيث التزمت في الإلتزام بالعادات والتقاليد تحت أذرع النفاق, حيث يوجد الفقراء والفاحشوا الثراء, لا ثالث لهما, هناك في إيرلندا يعيش “ريدموند باري”, شاب يتسم بكل الصفات النبيلة من الطيبة والاخلاق الحسنة, يعشق ابنة عمه نورا التي تبادله نفس العشق, قبل ان تتركه لكابتن عسكري لماله وفقر عشيقها باري, من هنا يبدأ التحول الجذري في حياته, اشتعلت نيران الغيرة في قلب باري ولم يستطع تقبل تلك الاهانة وطالب الكابتن سارق حبيبته في نزال بالمسدسات “وهي عادة كانت لحل النزاعات في تلك الفترة”, ينتصر عليه ويتم خداعه بذلك من اهله الغارقين بالديون والذين هم بحاجة لمال الكابتن لسدها, فقد انتصر عليه ظاهريا فقط, وتم تغريبه من موطنه مجردا من حياته السابقة وتاركا امه واهله وحتى حبيبته, ليذهب في رحلة الى القدر الغير محتوم, عانى من كل ماقد يصيب الانسان من سوء حظ وسوء معيشة, فقد حارب في صفوف من ليس منهم, خان وطنه, احتال ليسري في طريقه, خادع ليحصل على لقمة عيشه تجرع الضعف والانكسار, تحول من شخص عاشق نبيل باحلام وردية الى انسان صدمته الحياة باقصى سرعة ممكنة, لتتركه شبحا لباري, شبحا تجرد من ذلك النبيل الحسن الطباع والخلق, حتى ارساه القدر الى تلك الطاولة, جالسا مقابلا كونتيسة متزوجة تمتلك جمالا ملائكيا, على الحان شوبيرت كوبريك جعلهم يتحدثون بكل وضوح بصمت دون حديث في مشهد سينمائي تعبيري خالص “مشهد الإغراء”, النظرات وتعابير قسمات وجهيهما وايماءاتهما التي اوصلتهما خارج المكان الى الشرفة, حتى التقت شفتيهما بقبلة العشق دون نطق كلمة واحدة, ياللجمال, ياللشاعرية. الى هنا هل ابتسم الحظ في وجه باري أخيرا؟

null

القسم الثاني ..
بعد موت زوج الكونتيسة, يتزوجها باري ويتبنى ابنها بسرعة, ليحصل على مكانة راقية في المجتمع, وينعم بثروة فاحشة جدا. حتى تظهر السمات الشخصية والنفسية لـ”باري ليندون” بعد ما اختفى ريدموند باري الى الابد, نراه عديم الاحساس بعدما كان العاشق الحساس, ينفث دخان السيجار في وجه زوجته بكل وقاحة بعد طلبها منه ان يتوقف عن التدخين, تحجر قلب كان رطبا طريا يوما. ابن زوجته “لورد بولينغدون” يكرهه لاعتقاده ان باري استغل امه لثروتها وانه لا يحبها. بنجب اول سليل من زوجته, ابنا في قمة الجمال احتل ما تبقى من قلب باري المتحجر, لكن رغم ذلك, باري لا يزال في احضان النساء خائنا زوجته التي تعشقه حد العمى, لكنه هو الاعمى المستمرفي ذلك غير مكترث بغير هوى نفسه, حتى دخل عليها يوما, يعتذر منها على تصرفاته فتأخذ بيده مسامحة له دون ادنى تفكير, ليعدل باري عن طيشه ويفعل مايجب على رجل ارستقراطي فعله, بعد مرور السنوات, يحاول باري الحصول على لقب يناسب مكانته, يريد ان يكون لوردا خوفا منه من ان يخسر كل الثروة لصالح ابن زوجته اذا ما توفت, وفقط لقب كهذا سيضمن له الميراث, لكن طمعه وجشعه أدى الى خسارتها كلها شيئا فشيئا في سبيل تأمينها الذي لم يحصل, فعل كل شيء من أجل هذه الثروة التي زالت فأغرقته في ديون لن يستطيع سدادها, بعد كل هذا, يصاب ابنه باصابة بالغة لا شفاء منها في حادثة سقوط من حصان اهداه له, ليموت امام عينيه بعد ايام محطما قلبه ومدمرا لروحه. كل ذلك من خسارة الثروة وأفعال باري تثير حنق ابن زوجته الذي رحل تاركا اياه وامه بعدما اشتد به الاسى والغضب, ليعود مطالبا بنزال المسدسات مع باري, يطلق اللورد بولينغدون الطلقة الاولى بالخطأ على الارض فيذهب الدور الى باري الذي اشتعل نور الطيبة فجأة في قلبه ويطلقها ايضا على الارض ولم يقتل ابن زوجته, هل ترضى بذلك يا لورد؟ لا لم يرضى, في قد كان كارها له طيلة حياته, فيأتي دوره ليطلق رصاصة سكنت ساق باري, ليرحل باري عن القصر ويترك مكانته وزوجنه وكل شيء خلفه مهانا بساق مبتورة.


null

ياللتراجيدية, دفع باري ثمن كل خطيئة في نفسه, كل خطيئة فعلها عوقب عليها, حتى طيبته في النهاية دفع ثمنها, ما ان يلازمك سوء الحظ سيوفي اليك ولن يتركك, مهما وصلت الى قمم السماء وسرحت بين السحاب, الطيور على اشكالها تقع, الخير سيد الشر وغالبه في كل الاحوال, رسالة واضحة ارسلها كوبريك في هذا الانجاز السينمائي الاعجازي, دقته الكبيرة في نقل صورة حقيقة عن ذلك العصر, واهتمامه الشديد بالتفاصيل الدقيقة في الديكورات والازياء وحتى الاضاءة والانوار, اهتمامه بالصبغة الانجليزية في الطباع والحديث, الاصالة الاوروبية الكلاسيكية وغرسها في شخصياته, بكل ذلك كوبريك يصنع علامة بارزة في التاريخ والإرث السينمائي, يصنع ملحمة بالغة الشاعرية والجمال.

Our Rating

الإخراج10
السيناريو10
الأداء التمثيلي10
الموسيقى التصويرية10
الأزياء والديكور10
السينماتوغرافي10
في باري ليندون يصل كوبريكك الى اقصى حدود الكمال السينمائي, تحفة خالدة لن تتكرر.
10
Reader Rating: (19 Rates)
7

About author

Salem Lynch

شخص مسجون في الحياة وحريته السينما.

1 comment

  1. ali saleh33 6 January, 2015 at 12:37 Reply

    فيلم رائع اذهلني ستانلي كوبريك بمقدار التفاصيل الموجودة , يشعرك ان الفلم صور في نفس الفترة الزمنية ل قصة الفلم,كل شيئ موضوع بعناية وبكمال, الحياة قست على باري وتركته في النهاية عاجزا غلى سريره اخذت منه كل شيئ ,في النهاية بدات هزيمة باري بانتصاره

اترك رداً

شاهد أيضًا