Chinatown 1974

0

chinatown_ver3_xlgلا شك بأن فيلم “الحي الصيني” من أهم الأفلام التي ظهرت في فترة السبعينات في القرن الماضي، وقد اتصف بكثير من صفات الأفلام التي ميزت هذا العقد الهام في تاريخ السينما، وذلك بمعالجة متطورة لأفلام الجريمة التي برع “سكورسيزي” في إخراجها، وبحبكة روائية متقنة كأفلام “كوبولا”، مع قدر كبير من الإثارة التي لم يقدمها بهذه الطريقة إلا “هيتشكوك” نفسه.

وهذه الأشياء اجتمعت كلها في فيلم واحد سوداوي الطابع، من إخراج البولندي “رومان بولانسكي” الذي لولا سوء حظه بتواجده في نفس العام مع تحفة كوبولا “العراب” لكان حصد الذهب الأوسكاري بدون أدنى ريب. قصة الفيلم تبدأ ببساطة عندما تطلب امرأة من التحري الخاص “جيتيس” استطلاع حالة زوجها لأنها تشك في خيانته لها، وتبدو هذه المهمة تقليدية وعادية جداً بالنسبة لـ “جيتيس” ولكن يتضح له فيما بعد أن الشخص الذي سيتحرى عنه هو أحد أهم الشخصيات في المدينة لمشاركته في شركة مشاريع تخزين المياه في وقت تتعرض فيه المدينة لقلة الماء، وهو يتولى منصباً حساساً يجعله عرضة للقتل.

وبعد حدوث جريمة القتل تبدأ الخيوط بالتشابك، وتتضح أمور غامضة لم يكن يدري أحد بوجودها، ويبدأ السيد “جيتيس” مهمة استثنائية لفك أسرار القضية التي يواجهها. براعة الفيلم تكمن في قوة النص السينمائي والحوارات المميزة التي تعطي كل شخصية من شخصيات الفيلم حقها، كما أن الغموض لا ينكشف فجأة، بل يبقينا في حالة من التحفز والترقب لما سيأتي، وكل مشهد في الفيلم يقدم تفسيراً لما سبق ولكنه بالمقابل يطرح أمامنا سلسلة جديدة من الأسرار التي يجب كشفها للاستيعاب الكامل للوضع.

وربما كانت شخصية السيد “جيتيس” التي قام بها الممثل القدير “جاك نيكولسون” من أقوى الشخصيات في عقد السبعينات الذي تميز بظهور شخصيات قوية في أفلام الجريمة، ولكن بطلنا “جيتيس” لا يتمتع بنفوذ العراب كورليوني مثلاً، وليس سائق تاكسي ناقماً على المجتمع، بل هو مجرد شخص ذكي يعمل في التحري، وكان من نصيبه رؤية كافة أنواع الجرائم والمجرمين من خلال عمله عندما كلن في “الحي الصيني”.

وقوة “جيتيس” تكمن في قوة ملاحظته وسرعة بديهته، بالإضافة إلى أنه لا يسمح لأحد بالاستهزاء أو الاستخفاف به وإلا كان النقد اللاذع من نصيب من يجرؤ على ذلك، كما أن لديه خبرة في التعامل مع الناس من حوله بطريقة يحقق فيها ما يريده بكل حنكة وبراعة. كما أنه شخص حازم ومجتهد في عمله فلم يردعه قيام أحد الرجال بجرح أنفه بسكين حادة من المتابعة في تحقيقاته الخطيرة التي ربما تودي إلى الهلاك.

وباقي الشخصيات في الفيلم مكتوبة بشكل بارع، فتبدو السيدة “مولراي” مترددة في كثير من الأحيان وذلك بسبب الأشياء التي تخفيها عن “جيتيس” والأسرار الكبيرة التي لا تريد لأحد أن يعلم عنها. وشخصية أبيها قوية ذات نفوذ واسع، ونرى أنه دائماً يخطئ في لفظ اسم “جيتيس” ولا يأبه بتصحيح نطقه للاسم، وهذا ما يعطي انطباعاً بأن هذا الشخص يستخف بالناس من حوله لأنه متعود طيلة حياته على السيطرة والسطوة التي حققتها له ثروته الكبيرة. وهذه التفاصيل الصغيرة أعطت الفيلم مزيداً من قوة الإقناع وصبغت الشخصيات بواقعية أكبر تجعل من وجود نماذج منها في الحياة الحقيقية أمراً قابلاً للتصديق، وهذه نقطة تحسب لنص الفيلم السينمائي وقوته بلا ريب.

حبكة الفيلم متداخلة ومشوقة ويتناغم معها الإخراج المميز من قبل “رومان بولانسكي” والموسيقا التي تعطي مشاهد الفيلم انطباعاً راسخاً، وقلما نجد في أفلام الجريمة قصة تدور حول القتل والتحري بهذا الشكل الممتع حيث أن الحقيقة تتضح – مثل لوحة الفسيفساء – جزءاً وراء جزء دون أن نستطيع تخمين ما سيأتي لاحقاً. وهذا يستلزم من المشاهد انتباهاً شديداً لكل ما يجري لأن الأحداث لا تتوقف عن التطور في كل مشهد من الفيلم، والميزة الأهم أن القصة تحترم عقل المشاهد وهي مقنعة بشكل كبير ودون أخطاء، وهذا عائد أيضاً إلى قوة النص السينمائي أيضاً.

أداء الممثلين كان مميزاً بحق، وربما أكثر ما برز في الفيلم هو أداء “جاك نيكولسون” الذي هيمن على كل المشاهد التي ظهر فيها بشكل واضح بينما تتضاءل كل الشخصيات الأخرى أمام قوته وخبرته وطريقته الواثقة في الكلام والانتقاد. وهذا ما جعله مرشحاً قوياً للفوز بالأوسكار بكل استحقاق رغم وجود مرشحين أقوياء في تلك السنة ينافسونه على لقب أفضل ممثل في دور رئيسي، وفاز فعلاً جائزة الغولدن غلوب متفوقاً على أسماء كبيرة مثل آل باتشينو وجين هاكمان وداستين هوفمان الذين اكتفوا بمشاهدة فيلم الحي الصيني وهو يكسب الجوائز المهمة.

ويجب الإشارة إلى أن اختيار “جون هيوستن” كان حركة ذكية فعلاً من منتجي الفيلم لأنه صاحب أفلام نوار كلاسيكية مميزة مثل The Maltese Falcon وبالتالي كان قادراً على فهم الدور الموكل إليه وتأديته بشكل بارع ومتقن.

الخلاصة: فيلم نوار ولكن بالألوان، بقصة رائعة ومحبوكة بشكل جيد ومثير وأداء مميز من أبطال الفيلم، ورؤية إخراجية من “رومان بولانسكي” الذي جمع مهارات العديد من المخرجين الكبار، فمن يستطيع أن يوجد وصفة أفضل من هذه؟! ولا يمكنني القول إلا أنه فيلم بارع وممتع جداً لن تمل من مشاهدته عدة مرات.

فيلم النوار: هو نوعية من الأفلام نشأت في أربعينات وخمسينات العقد الماضي وتعتمد على إظهار الجريمة في المجتمع بشكل ناقد وعنيف أحياناً، ويلازم هذه الأفلام أسلوب بصري يقوم على التصوير القاتم بالأسود والأبيض، ولكن يمكن اعتبار فيلم الحي الصيني أحد أفلام النوار رغم أنه مصور بالألوان لما فيه من التزام بأفكار هذه النوعية وطريقة طرحها للأحداث..

Chinatown

About author

ATarakji

مدون سينمائي ومترجم أفلام.

No comments

اترك رداً

شاهد أيضًا

هل Paranoia أسوء فيلم في هذا الصيف؟

يبدوا أن هاريسون فورد وغاري أولدمان غير كافيان لإنقاذ Paranoia من الغرق، فقد تلقى الفيلم أسوء مراجعات في هذا الصيف من النقاد. الفيلم حتى الآن ...