Shame – أبشع صور الإدمان

2

طرحت الكثير من الأفلام السينمائية قضايا الإدمان في صور عديدة مختلفة، وكما لم تتميز الكثير من هذه الأفلام في طرحها الذي كان يغطيه السرد الغير مرتب والغموض الذي يشتت المشاهد والقارئ السينمائي على حدٍ سواء، تميزت في الجانب الأخر قلة من هذه الأعمال التي كانت تغوص داخل النفس البشرية وبعض أشكال الإدمان والإضطرابات النفسية التي برع كتّاب السيناريو والمخرجين إظهارها سينمائياً بصورة سوداوية بالغة الإتقان والإبهار، كما في عمل “أرنوفسكي” عن إدمان المخدرات بفيلمه Requiem for A Dream وبعض الأعمال الأخرى. المخرج ستيف ماكوين يأخذنا هذه المرّة للكشف عن إحدى أبشع صور الإدمان عند البشر، والتي حسب ظنّي أنها من المرّات الأولى سينمائياً التي تطرح فيها قضية الإدمان عن الجنس والجشع في ممارسته بطرق مختلفة، حيث تصبح الشهوة الجنسية لدى البشر وكأنها من الأولويات في الحياة،. يُفقد هذا الإدمان مفهوم الغريزة عند البشر، حيث يستمر التساؤل خلال مشاهدة الفيلم وسير الأحداث عن أسباب تعلق بعض البشر والهوس الشديد بمسألة الجنس وممارسته بالطرق الغير شرعية “إنسانياً”؟ أيضًا عن الصورة التي يمكن لهكذا إدمانٍ أن يحدثها! هذا ما يناقشه فيلم Shame بطريقة عميقة تجعلنا نحترم هكذا عمل سينمائي تمرَّد عن تلك الحالات النفسية البشرية التي تطرح خلال عدة أفلام بشكلٍ صار جداً مستهلك، هذا الفيلم وببساطة يناقش إحدى حالات الإدمان الغير واضحة، فليس من الجيد أن تخبر الناس عن حالتك هذه إتجاه الجنس وكيف أنك مهووس به، ومن المستحيل أن يكون هذا الإدمان مرئياً أو واضحاً على الإنسان لأنه يمارس غالباً بعيداً عن البشر والقرباء منّا، إنّه ذاك العار الذي يعتري بعضنا ونعترف به لأنفسنا فقط. يأتي المخرج البريطاني الموهوب ستيف ماكوين عبر فيلمه Shame ليعرض لنا سينمائياً حالةً يخجل البشر جميعاً الحديث عنها أو حتّى التلميح بشأنها.

 

shame-image-michael-fassbender-2

 

رجلٌ يدعى براندون سولمان، يعمل بإحدى الشركات المعروفة في مجال التقنية، حيث تدور أحداث الفيلم حوله من الوهلة الأولى، ليستفتح الفيلم لنا حياة براندون وروتينه خلال مشاهد عدة مترابطة يُظهر فيها قذارة هذا الرجل جزئياً، فهو وعلى الرغم من بيته الصغير المرتب وملابسه الأنيقة وملامحه الجذّابة، إلّا أنّه يظهر عارياً على السرير في حين مغادرة إحدى العاهرات بعد قضاء ليلة الأمس صحبة بعضهما البعض، وفي إحدى المشاهد المضافة كإستفتاحية نلاحظ عدم إكتراثه إطلاقاً بالرّد على الرسائل المرسلة إليه عبر البريد الإلكتروني رغم أهميتها ظاهرياً، كما أنّه وعلى الرغم من امتلاكه المال إلّا أنّه يفضل الذهاب عبر القطار علّه يخازل الفتيات بنظراته الملّحة نحو تخيلات جنسية، ليلاحق في إحدى أبرز مشاهد الفيلم فتاة قد لُوحظ وأنّ ما بينهما من نظراتٍ جعل براندون وكأنه قد أستولى عليها وعليه اللحاق بها وممارسة الجنس معها، إلّا أنها ترحل سريعاً ليُضيع براندون فرصة اللحاق بها.

 

Michael Fassbender 2

 

افتتاحية الفيلم تجعلك على يقينٍ تام بأنك على وشك مشاهدة تُحفة فنية في غاية الروعة، فالألوان والموسيقى والمشاهد والتعريف بالنص من خلال كلّ ذلك يعدّ أسلوباً باهراً لا يمكن إتقانه إلّا مدير عمل سينمائي موهوب ومُبدع، فالمخرج ستيف ماكوين لم يكن مديراً للفيلم فحسب، إنّه ذاك الفنّان الذي حاول في كل خطوات رسمه لهذه التحفة أن يضيف شيئًا خاصّاً يجعلك مندهش طوال المشاهدة، وعلى الرغم من الجرأة التي أقدم عليها ستيف والتي تُظهر بشاعة وقذارة وجشع براندون إتجاه الجنس ومدى تأثيره على نفسه وعلى من هم بجانبه، إلّا أنّه ظهر بصورة جمالية باهرة، فأضاف الفيلم لوحةً تناقضية لم أكن قادراً على تفسيرها بشكلٍ واضح، لكنني أُذهلت وصُدمت حقاً جرّاء هكذا أسلوب بديع، فنحن أمام أحد أبرز الأعمال السينمائية التي لم تحظى بحقّها لدى عشّاق السينما، لأنه وإن اختلفت الثقافات ووجهات النظر المفسِّرة لما جاء به الفيلم، فنحن سنتفق حتماً حول مدى إتقان هذا الفيلم كافة الجوانب المطلوبة سينمائياً. كل مشاهد هذا العمل تفسّر المرة والأخرى، لا توجد لمسة عفوية إلّا وأن تفسّر وتعطى لها العلامة الكاملة، علامة الإخراج والنص والتمثيل وكل نواحي صناعة السينما الإبداعية.

 

Shame-3

 

أداءات الممثلين بالفيلم كانت في المستوى المطلوب وأكثر، بل وبكل صراحةً كانت العامل الأول لصعود الفيلم على سلم التحف السينمائية، فالممثل مايكل فاسباندير قدّم أداءًا مميزًا لشخصية يصعب جداً ممارسة حالتها المعقدّة من كافة الجوانب، أظنّه من بين أكثر الأدوار السينمائية التي ستصبح في ذاكرتي للأبد، إنّه لعمل عظيم يا مايكل، موهوب جداً هذا الممثل، فعيش هكذا تصرفات واضطرابات وتناقضات نفسية يعدّ من بين أصعب خيارات الممثلين، لكنَّ مايكل يثبت نفسه خلال هذا الفيلم والذي أعتبر دوره وأداءه على حدٍ سواء الأفضل في مسيرته السينمائية. تؤكد الشابّة كاري موليغان موهبتها بين الحين والآخر ليكون أداءها عبر الفيلم مميزاً هو الآخر، ممثلة بارعة في تأدية الأدوار المختلفة بأساليبها المختلفة، دورها بالفيلم كان في غاية الأهمية وإتقانها في أداء الجو الدرامي كان مهماً جداً لأنه وإن لاحظنا فإنَّ كاري تؤدي دور أخت براندون – الشخصية المحورية – والذي يعد تأثير حياته القديمة واضحاً على تصرفاته المحورية المسببة لهكذا اضطرابات نفسية، وأداء كاري لهذا الدور كان في المستوى الذي يتطلبه الدور.. أداء مايكل وكاري كانا وفي وجهة نظري من علامات الفيلم الفارقة والمهمة لإستكمال لوحة ماكوين الفنية الرائعة.

 

Shame-2

 

كمثال بسيط يُظهر قدرات المخرج ستيف ماكوين الفريدة سأتحدث عن المشهد الغنائي الكامل الذي أضيف للفيلم، كيف ذلك؟ نعم، موهبة هذا البريطاني قدّمت لنا مشهداً سينمائياً مميزاً، حيث المدة الزمنية للأغنية التي أدتها كاري موليغان فاق الأربعة دقائق، فكلمات أغنية نيويورك نيويورك كان مؤثرة لدرجة بكاء وتأثر براندون الواضح، هذه الأغنية تبين لنا مدى تركيبة شخصية براندون النفسية المعقدّة، وعن الرابط الذي يجمعه بأخته سيسي، والذي يؤكد على أنَّ نظرية الفيلم الأساسية تتمحور حول ماضي براندون وإنطوائه الذي يحرره من كافة القيود الجسدية والروحية، براندون يظهر خلال مشاهد قليلة وكأنه شخصية عاطفية تتأثر بما حولها، إلّا أنه يظهر غالباً منطوياً لا يرغب في مشاركته الحياة أحد، هذه التصرفات وبكل وضوح هي نواتج حالة الإدمان الجنسية التي صار يصارعها براندون. ستيف ماكوين بأسلوبه الساحر، وألوانه، ونصّه السينمائي، الحوارات بالفيلم، كلّ ما قدمه هذا المخرج يؤكد نظريته التي يريد ايضاحها، والتي وإن أُهملت تفاصيلها، فهو قد أكد فعلياً موهبته في هذا المجال، إنّه حقاً رائع وذو ذكاءٍ لا حدّ له.

 

Shame_1

 

العار الذي يجهله البشر عن بعضهم البعض يعرّف وبوضوحٍ عبر تحفة Shame الفنيّة، لتصبح حالة براندون منطقيةً جداً جرّاء ما كان عليه وما صار عليه وما سيصبح عليه لاحقاً! هذه الحالة من الجشع الجنسي تفقدنا حواسنا الإنسانية الطبيعية، فتصبح ساديتنا ورغباتنا الغريبة مطمعاً شخصياً لا يمكنه التماشي مع الآخرين، ولأنني لا أريد الخوض في كل تفاصيل الفيلم على الرغم من أنني سأظلمه حقيقةً بهذا التصرف، إلا أننا سنلاحظ في إحدى التفاصيل المهمة كيف يواجه براندون صعوبةً في ممارسته الجنس عندما يكون الطرف الآخر وهو يتبادلان المشاعر، على الرغم من أنّه يظهر مرتاحاً حينما يمارس هذه العادات مع نساء آخريات عابرات، أيضاً وبعيداً عن مصطلح الجنس المحوري بالفيلم والإدمان الذي يمارسه البشر في هذا الجانب، يعرض الفيلم اضطراب براندون النفسي حينما يرى في أخته سيسي عبئاً لم يجبر على الاهتمام به، في مشهدٍ دام لمدة طويلة وصور ببساطة من زاوية خلفية ليكون حواراً بارزاً يستعرض وبشكلٍ واضح مدى تأثر شخصية براندون بما يحيط به، فهو يرى في إخته عائقاً لا يعطيه حقّه في ممارسه طقوسه الجنسية الخاصّة، ويظهر في عدة مشاهدٍ أخرى معظمها مقززة، ودرامية مؤثرة، مدى صعوبة عيش هذه الحالة وتأثيرها على المدى البعيد.

 

موسيقى الفيلم مميزة لحدٍ كبير وكبير جداً، فالمقطوعات الموسيقية التصويرية أضافت بعداً جمالياً واضحاً للفيلم، وهذه من لمسات الفيلم الهامة التي جعلته تحفةً فنية متكاملة ومثالية، كما أنها لم تكن تغطي كافة المشاهد، حيث تمّ استغلالها عبر بضعة مشاهد كانت هامّة ومؤثرة وهذا يُحسب لمونتاج الفيلم ولتعليمات المخرج الفذ ستيف ماكوين. سينماتوغرافي الفيلم لا يصدّق، هذا العمل يعتبر حالياً وأثناء كتابتي هذه المراجعة الثالث بين ستيف ماكوين والمصّور ….، زوايا وأسلوب مترابط بين ما يريد النص إحداثه والإخراج تصوره، لتظهر صورة الفيلم متقنة وعميقة في آنٍ واحد، كما أنَّ مشاهد عديدة برز فيها جانب التصوير السينمائي والذي سيلاحظه المشاهد بلا أدنى شك.

 

Michael Fassbender

 

أحد أكثر الأعمال السينمائية إتقاناً من حيث النص والصورة وكافة جوانب صناعة السينما كما ذكرت، هذا الفيلم يُشاهد ويقرأ المرة ثم الأخرى، يناقش بإستمرار، ويعدّ من بين الأعمال الأكثر تمردّاً وجرأةً في عالم السينما، إنه من بين تلك الأفلام التي تغوص بالنفس البشرية وتظهر العار الذي يخفى بعيداً عن الأنظار ليسبب كوارث في حياتنا البشرية، هذه التفاصيل البسيطة تعتبر كبيرة في نواتجها المؤثرة على الفرد والتي بدورها تؤثر على المجتمع. فيلم سينمائي متكامل حقيقةً ويفترض على أنّه درسٌ لكل فردٍ منّا، خصوصاً الشعوب المنغلقة والتي منطقياً يكثر فيها هذه الحالات والتي نلاحظ عصبية أفرادها وجشعهم الدائم اتجاه غريزة الجنس عند البشر. ستيف ماكوين ومايكل فاسباندير وكافة طاقم العمل.. شكراً لكم على هذه اللوحة السينمائية الخاصّة جداً، إنكم حقاً فلاسفة ورائعين.

Shame 1

About author

Mohammed Ben Omran

تشعرني السينما بذاتي، ذاتي المجهولة والمفقودة، حيث أنَّ هذا الفن قادر على محاكاتنا جميعاً وفق ما خضناه خلال الحياة. حكايتنا هي السينما.

2 comments

  1. her 25 July, 2017 at 06:21 Reply

    صراحة ما فهمت النهاية؟ هل توقف ادمانه؟ طيب ليش نفس الحرمة اللي رفضته رجعت تاني ؟

اترك رداً

شاهد أيضًا

مبارزة الذكاء .. Sherlock Holmes: A Game of Shadows

عندما قام المخرج البريطاني “جاي ريتشي” بصناعة الجزء الأول من فيلم “شيرلوك هولمز” في عام 2009 حاول ابتكار الكثير من السمات الجديدة لشخصية المحقق الأشهر ...