حيوانات ليلية – رواية الإنتقام

1

الإنتقام .. كلنا يعرف الإنتقام .. لكن ماهو نوع الإنتقام و بأي طريقة يتم الإنتقام ؟
تلك هي الركيزة الرئيسية التي أعتمد عليها توم فورد في صناعته للتحفة الرائعة

Nocturnal Animals.

مخرج الفيلم توم فورد هو في الأساس مصمم أزياء عالمي أشتهر بسبب إضافة لمسته الذوقيه لماركة جوتشي الشهيرة. توم فورد أسم أشتهر خارج عالم السينما فهو لم ينتج سوا فيلمين فقط هذا أحدهم.

هل تعتقد رجل يغوص في عالم الأزياء والتصاميم وماركة توم فورد العالمية سيستقطع من وقته المهم لكتابة نص روائي وقصة و يقوم هو بإخراجها لأجل أن ينتج فيلم عبثي للسينما ؟
إذا كنت تظن ذلك فأنت بالتأكيد مخطئ. توم فورد يملك مخيلة رهيبة يملك أفكار كثيرة ويملك القدرة على تنفيذ وتجسيد تلك الأفكار من خلال تصويرها كفيلم سينمائي. وهذا ماعرفناه بعد صناعته للتحفة الدرامية النادرة التي أضاف فيها على الرواية الأصلية لمسته و أستوحى فيها الكثير من عالمه الخاص كمصمم للأزياء ذلك الجانب الأنيق الغامض في داخل حياته لتعكس لنا من هو توم فورد وكيف يفكر و كيف تعمل مخيلته.

يفتتح الفيلم بشكل غريب غير معتاد بعرض نوع من أنواع الفنون التي تستعرض أجساد لنساء تظهر فيها تكتلات دهنية غير مرغوبة مثيرة للإشمئزاز فيما يبدو أنه نوع من أنواع الفنون التي تثير وتهم طبقة راقية من المجتمع تشبعت من كل شيء وتبحث عن الغرابة في تفاصيل دقيقة كنوع من أنواع الفنون النادرة. ذلك الفن الإستعراضي تديره سوزان وزوجها. المشهد في البداية أقرب مايكون وصف للصورة التي عليها سوزان وهو مايختلف تماماً عن ذوق إدوارد زوجها السابق الكاتب الحالم المليء بالرومانسية ، فهذا النوع من الفنون يبين الإختلاف والفارق بينهم.

يرتكز الفيلم على ثلاث محاور رئيسية وهي تلك التي يتنقل التصوير بينهم خلال الفيلم ، أولها الحاضر ثم الرواية المصورة وأخيراً ماحدث بالماضي. تدمج تلك المحاور الثلاثة بسلاسة رهيبة حتى تتناغم لتسير كلها بشكل متوازي حتى نهاية الفيلم وهنا أيضا إبداع يضاف إلى توم فورد.

الماضي : يتحدث عن علاقة حب نشأت بين سوزان و إدوارد و أنفصلا بعد زواجهما بسبب أن سوزان كانت تعتقد أن إدورارد رجل ضعيف و كتاباته كانت عن نفسه فقط، حيث أن إدوراد كاتب روائي. و أيضاً والدة سوزان كانت تحث سوزان على عدم الإرتباط بـ إدوارد بالإضافة إلى أن سوزان أعجبت برجل وسيم أثناء دراستها و رغبت بالإرتباط به. عند ذلك قررت التخلي عن إدوارد لأسبابها الخاصة لتتمنى حياة أكثر تنظيم بدون إدوارد فقامت بإجهاض أبنه دون أي أسباب مقنعة مع إصراره ومحاولاته للحفاظ على العلاقة لكن العلاقة أنتهت بينهم وأنفصلا.

الحاضر : هي الحياة التي تعيشها سوزان مع زوجها الذي فضلت الإرتباط به بالتخلي عن إدوارد. حياة فيها سوزان تدير عملها كمديرة لشركة تعمل على الفنون وبرفقة زوجها. في أحد تلك الأيام أستلمت سوزان طرد وهو عبارة عن رواية بأسم ” الحيوانات الليلية” قام إدوارد بكتابتها وإهدائها إلى سوزان بعد إنفصالهم بما يقارب العشرين سنة لتكون هي أول من يقرأ الرواية حسب رغبة إدوارد .

الرواية : كتب إدوارد قصة خيالية عنه و عن سوزان تتحدث عن أنه متزوج بها و لديهم أبنة كبيرة. يقررون في أحد الأيام السفر الى تكساس بالمركبة، وأثناء سفرهم تعترضهم مركبة فيها ثلاثة شبان يقومون بإيقافه في طريق معزول و خطف زوجته و أبنته و أغتصابهم و قتلهم بينما هو عاجز عن فعل شيء لهم و بعد ذلك يقرر الإنتقام لعائلته بمساعدة أحد أفراد رجال الشرطة.

“رواية حيوانات ليلية”
ماذا أراد إدوارد من كتابة تلك الرواية البشعة التي تظهر ضعفه و عجزه في حماية عائلته من المختطفين وكيف أختطفت سوزان و أبنتها و تعرضوا للأغتصاب ببشاعة ثم القتل و إلقائهم في الصحراء بينما هو لا يملك القدرة على حمايتهم.
خلق إدوارد في الرواية شخصيات كلها لها معنى فشخصية الشبان الثلاثة تصف الخسة و الدناءة و اللؤم وهي الصفات التي سرقت منه سوزان حين تخلت عنه.
و شخصية رجل الشرطة المصاب بالسرطان الذي قام بأداءها الممثل مايكل شانون بكل إقتدار، هي شخصية تصف التضحية والقوة وهي شخصية ثانية لإدوارد في حقيقته كانت من المفترض أنها تتفوق على الصفات السيئة لسوزان وتنقذ علاقتهما لكنها جاءت متأخرة بعد خسارة عائلته فلم تقدم له سوا “الإنتقام”

في الحقيقة إدوارد عبقري كل ما أراده من تلك الرواية هو تنشيط ذاكرة سوزان بطريقة غير مباشرة و تذكيرها بحبه العميق و الدخول في أعماقها العميقه و لمس تلك المشاعر الدفينه داخلها. أراد الوصول لمكامن خوفها و التلاعب بمشاعرها و عاطفتها. فوصف بتلك الرواية حبه الشديد لها و الأذى النفسي الذي تعرض له بعد خسارتها و كيف حياته أصبحت عبارة عن مأساة، حتى أنه يخبرها كيف أنتقم من أجلها و كيف قتل نفسه في الأخير لأن حياته لم تعد لها قيمة بدونها وبسبب تلك الصدمات التي تعرض لها.
إدوارد لم يرغب بأذية سوزان بطريقة تقليدية ولكن الإنتقام بطريقته الخاصة دون أن يؤذيها جسدياً و لكن نفسياً كما فعلت هي به في الماضي.
فهو لا يكرهها لكنه ينتقم من تلك الصفات السيئة بداخل سوزان. وأيضاً ليخبرها أنه فنان حقيقي لا يكتب عن نفسه فقط كما أخبرته سوزان سابقاً وكان قد تأثر بذلك ، بل هذه المرة يكتب عن سوزان معه.

فكتب كل شيء بدقة عالية لدرجة أنه استحوذ على إهتمام سوزان في حياتها الخاصة لتفكر بالرواية كل حين و أختلطت عليها بالواقع الذي تعيشه فقامت بالإتصال بأبنتها للإطمئنان عليها و أنعزلت داخل غرفتها لإكمال قراءة الرواية وبدأت في إستذكار علاقتها ولحظاتها معه وساعدها على ذلك أنها قد إكتشفت أن زوجها يخونها مؤخراً..
وفي أخر الرواية عندما قتل إدوارد نفسه وهو متأثر بجراحه بعد الإنتقام لعائلته بدأت نبضات القلب لدى سوزان تتسارع وشعرت بكل شيء في روايته شعرت بالحزن إتجاهه تحركت مشاعرها من جديد أيقظتها التفاصيل.
خرجت من المغطس في مشهد جاء مباشرة بعد الإنتهاء من الرواية وكأنها تنفست حبه من جديد فنطقت بأسمه بطريقة لا إرادية
… إدوارد

هنا نجح إدوارد في الوصول لهدفه ببراعة ولكنه مايزال يرغب بخطوة أخيرة يقوم بها لإتمام روايته بالطريقة الصحيحة .. أرسل بريد إلكتروني لتحديد موعد ومكان اللقاء بسوزان من جديد .. كانت سوزان تبكي طيلة الليل وتشعر بالندم وتتخيل إعادة تلك العلاقة لسابق عهدها عندما أستلمت تلك الرسالة.

اِرتدت سوزان فستانها و تأنقت حاولت الظهور بشكل المرأة الغير مرتبطة عبثت بشعرها أزالت اللون الأحمر من شفتيها حتى أنها لم ترتدي خاتم زواجها.
أنطلقت للقاء إدوارد في المطعم .. وصلت للطاولة جلست في إنتظار دخول إدوارد في أي لحظة من الباب المقابل .. اِنتظرت سوزان وهي تسترق النظر كل حين للباب المقابل متوقعة قدوم إدوراد .. اِنتظرت لكنها اِنتظرت طويلاً فبدأ الشك يساورها لتسمع كل صوت فتحسبه إدوارد قادم للطاولة .. طال إنتظار سوزان .. لكن إدوارد لم يأتي أبداً ..
في الحقيقة لم تدرك سوزان بعد وهي تجلس في المطعم وحدها المغزى من نهاية الرواية .. فهو قد قتل نفسه في النهاية وحتى يكمل الرواية بالشكل الصحيح لتكون  إنتقامية وواقعية عليه الا يقابلها من جديد وكأنه يقول لها كيف لرجل قد قتل بسببك أن يتواجد معك مرة أخرى على طاولة واحده !! ليشعرها في تلك اللحظة بخسارتها الفادحة.

إنتهى الفيلم على تلك العيون الحزينة الدامعة لسوزان كما قال عنها إدوارد سابقاً وهي تنتظر وحيده.. في مشهد مؤثر جداً متناغم مع موسيقى ساحره لها طابع النهاية و الألم هو أحد أجمل و أروع المشاهد التي شاهدتها في السينما مؤخراً.

‏”عندما تحبين شخصاً ما، لا تتخلي عنه، كوني حذرة؛ ربمّا لن تحظي بهذا مجدداً “

إدوارد.

Ayoub’ @___80s

About author

1 comment

  1. Ashjan 16 March, 2017 at 08:49 Reply

    فعلاً الفلم رائع جداً وعبقري وصدمت لما قرأت اسم توم فورد في البداية وظننته تشابه أسماء لكن خاب ظني
    للأمانة أنغمست مع أجواء الفلم ورغم شدة هذا الإنغماس تداخلت الأحداث علي واضطررت لقراءة بعض المراجعات لكي أفهم
    وأرتب الأحداث. الفلم رائع جداً وطريقة الإنتقام مبتكرة وشديدة السمية
    مراجعتك لاتقل عن جمال الفلم وعبقريته

اترك رداً

شاهد أيضًا