كلاسيكية تصرخ بأعلى صوت، لا للفساد .. Mr. Smith goes to Washington

0

Mr Smith Goes To Washington poster

يعتبر فيلم “السيد سميث يذهب إلى واشنطن” واحداً من أقدم الكلاسيكيات التي بقي تأثيرها حتى هذه الأيام، فرغم أنه من إنتاج سنة 1939 إلا أنه ما زال قادراً على اكتساح عقول المشاهدين بقصته البارعة وإخراجه المتقن، وتمثيله الخارق من قبل نجم الشاشة الفضية “جيمس ستيورات”. وعند ذكر اسم المخرج “فرانك كابرا” فأول ما يتبادر إلى الذهن هو الاشتراك الآخر الناجح بين “ستيورات” و”كابرا” في فيلم It’s a wonderful life ، وبالفعل يمكن أن يقرن اسم هذين الفيلمين مع بعضهما ليبقيا في ذاكرة كل مشاهد محب للفن الكلاسيكي الأصيل.
تدور قصة الفيلم حول “جيفرسون سميث” وهو رجل طيب القلب شريف ومستقيم في حياته، يتم ترشيحه ليتولى منصب سيناتور في مجلس الشيوخ الأمريكي ليعوض السيناتور السابق الذي توفي، وعندما تم ترشيحه من قبل رجالات السلطة في أمريكا كانوا يتوقعون أنه سيكون سهل الانقياد لهم، ولن يكون أكثر من لقمة سائغة في وجه مخططاتهم الاستغلالية الفاسدة. إلا أن السيد “سميث” يكتشف خيوط الفساد التي تمتد في كل مكان لتضع كل رجل في مجلس الشيوخ تحت سيطرة قلة قليلة من الرجال المتسلطين الجشعين ذوي الكروش الكبيرة والنفوس الدنيئة الطماعة التي لا تشبع من نهب البلاد واستغلال كل مقدرات الشعب ومشاريعهم لخدمة مصالحهم الشخصية الحقيرة. ولذلك يكون على السيد “سميث” مواجهة نظام كامل من العقليات المتحجرة والرجال المسيطر عليهم لإثبات أنه على حق قبل أن يتم الإطاحة به بشكل قذر يليق بدناءة الرجال الذين استولوا على كل شيء في البلاد.قصة الفيلم رغم قوتها إلا أنها بسيطة بشكل كبير وليست بالتعقيد الذي تعودنا عليه في أفلام توصف بأنها سياسية وكل ما تفعله هي إضاعة المشاهد في دوامات قد لا يفهم منها شيئاً. أما في هذا الفيلم فالوضع معاكس تماماً إذ أن القضية ربما لا تهم الكثيرين إلا أنها قادرة على كسب احترام المشاهد منذ بدايات الفيلم وجذبه إلى قصة استثنائية يمكن اعتبار بطلها رجلاً من عامة الشعب، وهذا ما يجعل الاندماج في الفيلم شيئاً سهلاً جداً. ولا يمكن نسيان فضل السيناريو الممتاز الذي جمع بين القوة والبساطة فهو احترم المشاهد السينمائي الخبير، وفي نفس الوقت بسط الأمور بشكل كبير بالنسبة لمن يريد المتعة فقط.إخراج الفيلم رائع فعلاً وربما يتفوق على كل الأفلام التي تم إنتاجها في ثلاثينات القرن الماضي، وهذا لا يمنع من وجود بضع أخطاء بسيطة في المونتاج والتحرير حيث أن بعض اللقطات فيها قطع غير صحيح للمشاهد، ولكن هذا لا يقلل من القيمة الفنية للفيلم، وخصوصاً أننا نشهد في هذا العمل تبلور السينما الكلاسيكية الحقيقية. أما الأداء التمثيلي من “جيمس ستيوارات” فكان في القمة، وقد أعطى أداء لا يمكن وصفه بكلمات قليلة.
فهو استطاع إعطاءنا صورة دقيقة عن ملامح شخصية السيد “سميث” البسيط المرح والذكي، وفي نفس الوقت متواضع وشريف وعفيف النفس، ولا يرضى بأن يرى خطأ دون أن يصححه. والميزة الأهم هي طيبة قلبه الكبيرة التي تجلب له شعبية ضخمة بين أبناء مدينته.أهمية الفيلم الكبيرة تأتي من قوة الأفكار التي يطرحها بطريقته المعبرة، حيث أنه يصرخ في وجه الفساد الذي انتشر في كل مكان ليمتد إلى كل رجال السلطة، وحتى الصحافة والإعلام الذين أصبحوا ينصاعون لأوامر بضعة أشخاص بسطوا نفوذهم على كل شيء، ولم يرضوا لصوت الحق أن يتسرب خارج قاعة مجلس الشيوخ الأمريكي.
ولكن إذا فكرنا أكثر فالشيء الذي يكسب الفيلم كثيراً من قوته هو أن رسالته تتخطى “واشنطن” وأمريكا كلها، أو أية دولة معينة لأن الرسالة التي يقدمها العمل عالمية ويمكن رؤيتها في كل مكان. ففي أي بلد في العالم يمكن رؤية الاستغلال من قبل فئة قليلة، أما الجماهير فيتم إسكاتها والتعتيم عليها لتبقى كالقطعان التي لا تدري شيئاً، وهذا كله يدار من مقاعد السلطة، والصحف والإعلام وكل ما من شأنه أن يمنع انهيار أي نظام فاسد يستغل كل ما يمكنه لملء الجيوب وقتل أحلام الناس.في نهاية الفيلم وقف السيد “سميث” بعد أن ألقى في مجلس الشيوخ خطبة مدتها ثلاثة فضح خلالها ممارسات كل رجل فاسد في السلطة وذكر المسؤولين بواجباتهم نحو المواطنين والبلاد. ثم جاءت أكوام الرسائل من المواطنين، اقترب السيد “سميث” من هذه الأكوام، فتح إحدى الرسائل، اكتشف التزوير، ورأى بأعينه قتل الحرية وقمع الشرفاء، نظر حوله فرأى المسؤولين الفاسدين يتضاحكون من حوله.. لا يوجد أحد معه.. حتى صديق والده قام بخيانته.. نظر إليهم نظرة متحسرة أخيرة، ثم هوى إلى الأرض..مشهد معبر فعلاً لخص مجريات حقيقية تحدث أمامنا كل يوم ولكننا ندير لها الأعناق، ونصرف عنها النظر ونمضي كأن شيئاً لم يكن.. الحق دائماً في حرب مع الفساد والظلم، وربما يتعب طالب الحق ويهوي دون أن يجد من يساعده. ولكن مهلاً في النهاية لا بد أن ينتصر الحق كما حدث في نهاية الفيلم.ومشهد النهاية يتمنى أن يراه كل شخص شريف بعينيه لأن الظلم لا يمكن أن يستمر دوماً، ولا بد أن ينهار أمام قوة الحق التي لا يغطي عليها كذب الفاسدين وتضليلهم المنافق الأعمى..
عمل رائع يستحق العلامة الكاملة بدون تردد:
10/10

About author

ATarakji

مدون سينمائي ومترجم أفلام.

No comments

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضًا