مبارزة الذكاء .. Sherlock Holmes: A Game of Shadows

0

عندما قام المخرج البريطاني “جاي ريتشي” بصناعة الجزء الأول من فيلم “شيرلوك هولمز” في عام 2009 حاول ابتكار الكثير من السمات الجديدة لشخصية المحقق الأشهر على الإطلاق “شيرلوك هولمز”. فصحيح أنه تقيد بالخطوط العامة للشخصية من حيث الذكاء وسرعة البديهة والخبرة في التعامل مع شتى المواقف، ولكنه لم ينسَ أن يضفي مزيداً من الإثارة ليجعل من السيد “هولمز” مقاتلاً لا يشق له غبار، ومغامراً من الدرجة الأولى. وهو بهذا يحور مسار روايات الكاتب “آرثر كونان دويل” ليجعل القصة أكثر من مجرد تحقيقات في بعض الجرائم التي تتطلب الحنكة والذكاء، بل جعل من فيلمه مغامرة كبيرة مليئة بالحركة والنشاط وتفيض  روح عصرية رغم مراعاته للإطار التاريخي الذي تدور فيه الأحداث.

ويبدو أن محبي السينما أعجبتهم الوصفة التي قدمها “جاي ريتشي” في جزئه الأول، فما كان منه إلا أن أعاد الكرّة ثانية، ليخرج لنا في نهاية العام 2011 هذا الفيلم بعنوان Sherlock Holmes: A Game of Shadows. والجيد في الموضوع أنه عاد هذه المرة بشخصية شريرة ذات شهرة واسعة لدى كل محبي روايات “شيرلوك”، حيث اختار شخصية البروفيسور “موريارتي” الذي ينافس “شيرلوك هولمز” في ذكائه الشديد، بل إن لديه ميزة إضافية هي تسلحه بمجموعة كبيرة من القتلة المأجورين.

البروفيسور “موريارتي” هو بروفيسور في إحدى الجامعات الصغيرة، ويحتل منصب رئيس قسم الرياضيات في هذه الجامعة، ولكن تأثيره يتعدى منصبه العلمي فهو يسيطر على عالم واسع من الجريمة المنظمة، ولديه نفوذ هائل يمكّنه من مجابهة أقوى خصومه بكل وحشية.

ويعود “روبيرت داوني جونيور” في هذا الجزء بدور “شيرلوك هولمز” ويظهر هذه المرة أكثر ثقة بنفسه، وقادراً على منح الشخصية مزيداً من القوة بالإضافة إلى التجديد الواضح الذي أضفاه على الشخصية في الجزء الأول. ولا تكتمل القصة إلا بالدكتور “واتسون” رواي القصة الذي يشارك “هولمز” في أغلب مغامراته وقضاياه المثيرة، والذي منحه أداء الممثل “جود لو” كثيراً من الإقناع ليجعله أكثر ذكاء من الشخصية المصورة في الروايات.

ما يميز الفيلم بالدرجة الأولى هو الاعتناء المكثف بنقل الحقبة التاريخية التي تجري فيها الأحداث بكافة تفاصيلها، فنرى في الفيلم معالم مدينة “لندن” العريقة بإتقان واضح ثم تنتقل بنا الأحداث بسرعة إلى مدينة “باريس” مروراً بعدد من المعالم المميزة التي أظهرها “جاي ريتشي” بكل براعة ليصنع أجواء نهاية القرن السابع عشر بكل امتياز.

الفيلم يشهد حضور عدد من الشخصيات الجديدة، أبرزها كما ذكرنا هي شخصية البروفيسور “موريارتي” ومساعده القناص الذي يلاحق “هولمز” وصديقه “واتسون” بكل إصرار طيلة أحداث الفيلم. كما صنع “جاي ريتشي” تنوعاً فريداً يإدخال شخصية الفتاة الغجرية “سيمز” التي تحاول العثور على أخيها المتورط في إحدى المخططات الإجرامية. وهنا يجب أن أشير إلى أن الفيلم لم يعتمد على قوة القصة هذه المرة بقدر اعتماده على تفاصيل الشخصيات الجديدة التي صنعها. فالقصة لا تبدو مفهومة بشكل واضح كما كان الحال في الجزء الأول، بل إني وجدت فيها قدراً كبيراً من التذاكي غير المبرر وبطريقة غير منطقية أحياناً. فالنص السينمائي للفيلم مكتوب بذكاء شديد ولكن يعيبه الكثير من التجاوزات التي كان الدافع من ورائها إبهار المشاهدين وأرى أنها أضعفت من قيمة النص في بعض الأحيان.

تتسارع أحداث الفيلم وتتداخل أكثر وأكثر، ونشهد مبارزة عقلية شديدة تدور بين “هولمز” وخصمه الجديد البروفيسور “موريارتي” الذي لا يدخر جهداً في سبيل تنفيذ مخططه الإجرامي الجهنمي، وقد كان الفيلم موفقاً بدرجة كبيرة في صنع شخصية شرّ من الدرجة الأولى. واستطاع من خلال البروفيسور “موريارتي” أن يرينا لمحات جديدة من شخصية “هولمز” نفسه. فرأينا “هولمز” المرتبك، والمصاب والضعيف والخائف أحياناً. بل استطاع التأثر على “هولمز” عاطفياً عن طريق عشيقته “إيرين أدلر”. وكان البروفيسور “موريارتي” دائماً على درجة عالية من الذكاء تجعله في مواجهة مباشرة مع عبقرية “هولمز” الكبيرة بل إنه كان يتخطاه براعة في بعض المراحل، ولكن هذا لا يعني أن “هولمز” لم يحرك ساكناً، بل على العكس اتسمت شخصيته في الفيلم بمزيد من الإصرار والقوة والشجاعة، واحتاج إلى إعمال كل ذرة من ذكائه الواسع لمواجهة هذا الخصم الذي يجاريه في الذكاء وسرعة التفكير.

وإذا أردنا الحديث قليلاً عن الأمور التقنية فالمخرج “جاي ريتشي” زاد من جرعة المؤثرات البصرية قليلاً عما ظهر في الجزء السابق، فبدت مشاهد الآكشن في أفضل حالاتها، وتم استخدام التصوير البطيء لعدد من المشاهد بطريقة احترافية مليئة بالإبداع، وأكملت موسيقى الرائع “هانز زيمر” كل الإثارة التي نرجوها من الفيلم وانسابت لتضبط إيقاع أحداثه المسارعة.وطبعاً كان التصوير في أبهى حلة بالإضافة إلى الديكورات والملابس المذهلة التي استحضرت حقبة تاريخية كاملة بكل براعة.

رحلة مليئة بالمتعة يخوضها كل من يشاهد الفيلم، ولكن للأسف فلم أرى أن القصة كانت على درجة عالية من الأهمية، بل ركز المخرج على إضفاء متعة بصرية أكثر من تركيزه على إخبار تفاصيل القصة بشكل واضح، وهذا كان سلبية كبيرة في سرد أحداث الفيلم، ولكن غطت قوة الشخصيات وبراعة الحوارات والأحداث على ضعف القصة. وفي النهاية كانت المواجهة الأخيرة لـ “هولمز” أمام العبقري “موريارتي” على شكل لعبة شطرنج يعتصر من خلالها كل منهما أقصى ما يستطيع من خبرته وذكائه، وظهرت النهاية بشكل استعراضي، وأكمل جمال اللوحة مشهد الحركة البطيئة المزدوج الذي سيعجب الكثيرين من مشاهدي الفيلم بالتأكيد.

المشهد الختامي للفيلم كانت فيه حركة بارعة، لن أفسدها على من لم يشاهد الفيلم، ولكن هذه النهاية شبه المفتوحة تؤكد أن “جاي ريتشي” ينوي العمل على جزء جديد من السلسلة، وخصوصاً مع وجود بعض الخيوط التي لم يتم حبكها مثل مصير العشيقة “إيرين أدلر”، والتي ستعود إلى الواجهة بالتأكيد في حال صنع تكملة للفيلم.

وإذا كان هذا صحيحاً فيجب عليه أن يعمل بجد ليخرج المزيد من اللمسات الإبداعية التي استخدمها بشكل مكثف ليضع بصمته الخاصة على سلسلة شهيرة لم يكن أحد يتخيل أن يراها بهذا الشكل المثير والمبهر.

أخيراً يمكنني القول إن “جاي ريتشي” نجح في صنع الإثارة المطلوبة مع شخصيات قوية ومقنعة، وبقالب مليء بالمتعة والمؤثرات الخاصة. والفيلم بشكل عام ذكي كما هو حال الجزء الأول يعيبه بعض التذاكي والميل إلى الاستعراض، ولكنه يشكل متعة كبيرة لكل محبي المحقق الإنجليزي العبقري “شيرلوك هولمز” وخصوصاً محبي الفيلم الأول الذين لن يخيب الفيلم الجديد أملهم بكل تأكيد.

تقييمي الشخصي: 8\10

About author

ATarakji

مدون سينمائي ومترجم أفلام.

No comments

اترك رداً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

شاهد أيضًا

عرض دعائي جديد لفلم G.I. Joe: Retaliation

صدر عرض دعائي جديد ( مُشابه للعرض السابق ) في كثيرٍ من اللقطات ولكن بعضها مُختلف فيال السُخرية في تسميته عرضاً جديداً لكن عُموماً ، ...